قلق لبناني من «مرحلة تصفيات» على خلفية تحقيقات مرفأ بيروت

فيما القضاء العدلي يحقّق لكشف جريمة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس، موجهاً سهام الادعاء ضد مسؤولين حكوميين بتهمة الإهمال والتقصير، في شأن وصول باخرة نترات الأمونيوم وتفريغها وتخزينها لسبع سنوات في العنبر رقم 12 الذي انفجر، ثمّة من يعمل على محو أدلة وتصفية شهود، وتقطيع الخيوط التي يمكن أن تُفضي إلى كشف من أتى بشحنة الـ2750 طناً من النترات ومَـنْ غطّاها، ومَن كان يستفيد منها. فمنذ أسابيع، عُثر على العقيد المتقاعد في جهاز الجمارك منير أبو رجيلي جثة داخل منزله في قضاء جبيل (جبل لبنان)، بعدما تعرّض للضرب بآلة حادة على رأسه بعد أسابيع قليلة من استدعائه للتحقيق في انفجار المرفأ.

وزير الداخلية يصف جريمة الكحالة بـ«المنظمة» ويقول إنها «لن تمرّ»




حتى الساعة لم تُعلن الأجهزة الأمنية عن مسار التحقيقات، وقد لا تُعلن، ذلك أن شكوكاً كبيرة تربط مقتل أبو رجيلي بخبايا ما كان يحصل في هذا المرفق الحيوي. وقبلها بسنوات، سقط العقيد المتقاعد جوزيف سكاف في آذار/مارس 2016 في منحدر قرب منزله، فعزا طبيب شرعي وفاته إلى حادث عرضي بسبب انزلاق قدمه، فيما اعتبر طبيب شرعي آخر أنه عمل مقصود. طُويت القضية آنذاك، لكنها عادت إلى الأضواء بعد كارثة الرابع من آب/أغسطس والحديث عن نترات الأمونيوم.

ويزداد القلق وتكثر الحيرة والتساؤلات مع طبيعة الجريمة التي شهدتها بلدة الكحالة المسيحية في قضاء عاليه (جبل لبنان) واستهدفت مصوراً عسكرياً هو جوزيف بجاني، ويعمل أيضاً موظفاً في شركة «ألفا» للاتصالات. فكاميرا المراقبة قرب منزل الضحية سجلت واقعة الاغتيال، إذ أظهر الفيديو تقدّم مُسلحَين اثنين في اتجاه سيارته، من جهة مقعد السائق، بعدما ركبها، ليفتح أحدهما الباب ويطلق في اتجاهه رصاصات قاتلة من مسافة صفر، ويستولي على هاتفه المحمول قبل أن يُغلق باب المركبة ويلوذ هو ومساعده بالفرار من المكان.

ووصف وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال العميد محمد فهمي الجريمة بـ»المنظمة»، وقال خلال استقباله رئيس بلدية الكحالة جان بجاني «إن جريمة الكحالة المنظمة لن تمرّ». وقال أحد الخبراء الأمنيين لـ»القدس العربي» إن جريمة كهذه تحتاج إلى رصد دقيق وتحضير لا يقل عن شهرين. وهي نُفذت بحِرفية عالية ودقة كبيرة. الأكيد أن هذه الجريمة ليست جريمة عادية ولا هدفها السرقة أو تصفية حسابات خاصة. في التحليل، هي نوع من أنواع «محو الأدلة». وتعمل شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي على التحقيق لكشف ملابسات هذه الحادثة الأمنية التي هزّت اللبنانيين، وأحيت هاجس عودة البلاد إلى زمن الاغتيالات والتصفيات.

وتدور في الأوساط المتابعة أسئلة عما إذا كان هناك من رابط بين اغتيال بجاني – الذي شيّعته بلدته أمس – وتحقيقات المرفأ. بعض المعلومات تحدثت عن أن الشاب المصوّر عمل مع فريقي التحقيق الأمريكي والفرنسي في توثيق الأدلة في انفجار المرفأ، ما يثير الشكوك حول ما إذا كان هناك من لغز ما يرتبط بذلك أو بوظيفته في الاتصالات أو بصلة ما له مع المؤسسة والأجهزة العسكرية!

وذكر «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان»، ومقره لندن، أن بجاني يعمل في شركة اتصالات محلية، وعمل لنحو 15 عاماً في مجال التصوير العسكري لدى الجيش قبل أن يستقيل في وقت لاحق من هذا العام، إذ كتب حينها على حسابه عبر «فيسبوك»: «بعد 15 عاماً من التصوير، وتركيز على التصوير العسكري في لبنان والخارج، بخاصة لإظهار صورة التقدّم، والقوّة، وصورة الحضارة للجيش اللبناني للخارج، قررت اليوم اعتزال التصوير العسكري في لبنان. الواحد بدو يترجاهن تيصورن، وبس يروح تيصوّر بحس حالو إرهابي. استروا ما شفتوا منا، خلونا نصور يلي بِقدّر».

وتُسجَّل حالة من الحذر المشوب بالصمت في كيفية تعامل القوى السياسية مع تلك الجرائم، حيث تخفت الأصوات إلى حد الريبة، فيما كان تعلو وتتحرّك الغرائز والعصبيات والعنصرية في حوادث سابقة. ويعزو البعض ذلك إلى حالة القلق التي تعتري الأوضاع بفعل الانهيار الاقتصادي – المالي الداخلي، ومرحلة الانتظار السياسي التي باتت أسيرة تطورات الإقليم والعلاقات الأمريكية – الإيرانية، لكن آخرين لا يستبعدون أن تشهد البلاد مرحلة شبيهة بما تلا اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري من تصفيات آلت في النهاية إلى إفراغ ملف التحقيقات.

وبرز موقف واضح لـ»القوات اللبنانية» وبرز موقف واضح لـ»القوات اللبنانية» التي أعلنت أنها «تتابع لحظة بلحظة نتائج التحقيقات في الجريمة المروّعة التي حصلت بدم بارد وحرفية إجرامية عالية، وهي استباحة خطيرة خضّت المجتمع اللبناني بأسره بسبب خطورتها والقلق الذي ولّدته لدى الرأي العام بأنّ أحداً ليس بمأمن على حياته في ظلّ وجود فرق موت منظمة تعدم الناس متى تشاء»، مطالبة القوى الأمنية المعنية بـ»كشف الملابسات (…) تبديداً لقلق الناس التي شعرت بأنها مكشوفة ومهددة بحياتها، وأمنها، ومستقبلها، واستقرارها.

واعتبر تكتل «لبنان القوي» برئاسة النائب جبران باسيل أن «هذه الجريمة بظروفها واسلوبها هي أقرب إلى الجريمة المنظمة، داعياً الأجهزة الامنية والقضائية إلى الإسراع بإجراء التحقيقات اللازمة بهذه الجريمة بما يطمئن المواطنين الذين يجتاحهم القلق من تكرار الجرائم المتفرقة في أكثر من منطقة والتي يجري ربط بعضها بجريمة انفجار المرفأ».

رلا موفق – القدس العربي