//Put this in the section //Vbout Automation

الحرية لمحمود حسين – محمد كريشان – القدس العربي

حين تنشر صحيفة أمريكية مرموقة مثل «واشنطن بوست» على صفحة كاملة إعلانا من «المعهد الدولي للصحافة» يسلط الضوء للرأي العام الأمريكي والعالمي على معاناة زميلنا محمود حسين المحتجز في السجون المصرية منذ أربع سنوات بدون محاكمة فذلك يعني أن هذه القضية فعلا تستحق ذلك.
سيناريو يتكرر منذ أربع سنوات كاملة: «الحبس 45 يوما على ذمة التحقيق» تليها 45 يوما أخرى بمجرد انتهائها، ثم 45 يوما، ثم 45 يوما… وهكذا دون توجيه اتهام رسمي لمراسل «الجزيرة» السابق في القاهرة، ودون مثوله أمام المحكمة. وحتى حين تقرر إطلاق سراحه في مايو/ أيار من العام الماضي تمت المسارعة بتلفيق سبب آخر للإبقاء عليه رهينة وراء القضبان لتصبح فترة مكوثه رهن الاعتقال منذ 23 ديسمبر/ كانون الأول 2016 «أطول فترة اعتقال قبل المحاكمة لأي صحافي مصري ينتظر جلسة استماع» وفق «تحالف الصحافة الحرة» ومقره نيويورك، بل إن سجن حسين المطول ينتهك القانون المصري نفسه الذي يحدد الفترة القصوى للحجز قبل المحاكمة في القضايا الجنائية بـ 620 يوما، فإذا به يقضي أكثر من ضعفها.
نفس هذا التحالف، وهو مجموعة من المحررين والناشرين البارزين، الذين يستخدمون انتشارهم العالمي ومنصاتهم الاجتماعية لتسليط الضوء على الصحافيين الذين يتعرضون للاستهداف في جميع أنحاء العالم، وضع مؤخرا اسم محمود حسين ثانيا ضمن القائمة الشهرية التي يعدها للحالات الصحافية العشرة الأكثر إلحاحا في العالم، وذلك بالتزامن مع مرور 4 سنوات على اعتقاله.
تمديد الاعتقال بشكل متكرر وآلي تقريبا، ضمن ما بات يعرف بسياسة «الباب الدوار» التي تنتهجها السلطات المصرية لإبقاء معارضيها رهن الاحتجاز التعسفي لم تدفع للأسف الشديد «نقابة الصحافيين المصريين» لأي موقف تضامني أو سعي للمساعدة ضمن تماه كامل مع السياسة الرسمية، وهو أمر لم يكن قائما بهذا الشكل العجيب في عهود عبد الناصر والسادات ومبارك.
لقد تعرض محمود حسين طوال هذه السنوات لانتهاكات جسيمة وظل أشهرا عديدة محروما من الزيارات والمتابعة الطبية، ولم يسمح له بزيارة والده المريض حتى وهو في أيامه الأخيرة يعاني سكرات الموت قبل أن «تتكرّم» عليه السلطات وتسمح له بالمشاركة في جنازته ليس أكثر، في مثال آخر لما وثقته منظمات حقوق الإنسان من أن النظام في مصر يملك أسوأ السجلات في العالم في مجال التعامل مع الصحافيين الذين يضع 27 منهم في معتقلاته.

سيناريو يتكرر منذ أربع سنوات كاملة: «الحبس 45 يوما على ذمة التحقيق» تليها 45 يوما أخرى بمجرد انتهائها، ثم 45 يوما، ثم 45 يوما… وهكذا دون توجيه اتهام رسمي لمراسل «الجزيرة» السابق في القاهرة، ودون مثوله أمام المحكمة




لا يمكن أن نجد تفسيرا لما يجري لمحمود حسين الذي اعتُقل خلال زيارته لبلاده لقضاء إجازة مع عائلته سوى أنه الشخص الذي اختارته الأجهزة الأمنية والقضاء المدجّن لتصفية حسابات سياسية مع القناة التي يعمل بها والبلد الذي يحتضنها بسبب تراكم الحساسيات والمشاكل معه منذ الانقلاب العسكري صيف 2013.
ومع أن قطر لم تسع إلى الانتقام من الجالية المصرية الكبيرة في قطر ولم تحاول أن تجعلها كبش فداء لهذه الخلافات، لاسيما بعد أن انضمت القاهرة إلى الثلاثي الخليجي في حصارها صيف 2017، إلا أن هذا لم يكن سلوك الحكومة المصرية التي اختارت، يا للمفارقة، مواطنا مصريا لتجعله «عبرة» في مناكفتها المفتوحة والعقيمة مع الدوحة، مع أن محمود لم يكن يوما صحافيا معارضا، ولا كانت له أنشطة ومواقف ضد نظام السيسي، فضلا عن أنه ليس مدير المحطة ولا رئيس تحريرها بل هو واحد من عشرات المصريين الذين يعملون بها منذ سنوات ولا يزالون.
المؤلم أكثر أنه إلى جانب صمت «نقابة الصحافيين المصريين» على هذه المظلمة نرى كذلك صمتا مشابها تقريبا من وسائل الإعلام العربية المختلفة التي، ولاعتبارات سياسية تفرض عليها مجاملة الرئيس المصري، لم تبد طوال هذه السنوات الأربع أي مظهر من مظاهر التضامن مع زميل مسجون دون أي أفق لإنهاء قضيته، لا في اتجاه إطلاق سراحه، ولافي مثوله أمام محكمة قد تصدر عليه حكما لا يتجاوز أصلا ما قضّاه من أعوام فيعانق الحرية مجددا.
أما المنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة أو حقوق الإنسان فهي لم تدخر جهدا للتعريف بقضيه محمود حسين والمطالبة بإطلاق سراحه، سواء «الاتحاد الدولي للصحافيين» ومقره بروكسيل أو «لجنة حماية الصحافيين» في نيويورك أو «مراسلون بلا حدود» في باريس. كما أن بعض المنظمات لم تتردد في منح جوائز لمحمود حسين مثل «الرابطة الوطنية للصحافيين الأمريكيين من أصل أفريقي» التي منحته هذا الشهر جائزة (بيرسي كوبوزا) ذلك الصحافي الجنوب افريقي الذي توفي عام 1988 وعرف بمواقفه المناهضة لنظام الفصل العنصري في بلاده. وعلى غرار «منظمة العفو الدولية» استنكرت معظم المنظمات المدافعة عن حقوق الانسان استمرار الاعتقال التعسفي لحسين، ودعت إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عنه.
لم نفقد الأمل بعد في مثل هذا الافراج الذي سيكون، في كل الأحوال، أكرم للسلطات المصرية نفسها من مسارعتها المفضوحة بإطلاق سراح قادة «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» مباشرة قبل زيارة السيسي الأخيرة إلى باريس.