الدكتور داود الصايغ

قبل الفجر بقليل – الدكتور داود الصايغ – النهار

كان الرئيس الفرنسي، #ايمانويل ماكرون سيأتي اليوم ويغادر غداً. منعته تلك الجرثومة التي سبق ووصفها بأنها لغز. ولكن السنة الحالية تغادر بعد أسبوع بدون ألغاز. إنها تغادر بحكم الزمان ومن دون استئذان البشر.

كان ايمانويل ماكرون سيأتي على وقع الأحداث، والسنة المشؤومة تغادر على وقع خطى الدهر. وما رُسم منها في السنة المنصرمة كان مجموعة أهوال. أهوال مادية دُمرت معها بيروت، وأهوال أخلاقية فضحتنا أمام العالم، كما أجمعت على وصفها الصحافة العالمية بدون استثناء وبخاصة جريدة “لوموند” التي عنونت افتتاحيتها في 30 تشرين الثاني الماضي قائلة: “#لبنان، دولة مسخ غير قابلة لأن تُحكم”.




على وقع الضجيج السياسي المرتبط بالحصص الحكومية التي يتمسك بها البعض، يتوافد الزائرون الأجانب. وقد سبق للرئيس الفرنسي الذي تعذر اليوم حضوره كما كان متوقعاً، أن وصف السياسيين بالخونة.

على أن تمرّد اللبنانيين الحقيقي لعله كان أبلغ من الصراخ في الشوارع. لأنه وضع المسؤولين عن كوارثهم في الإطار الذي يجب أن يوضعوا فيه، في ما يتجاوز النعوت التي تطلق عليهم محلياً وعالمياً والتي باتت لا تنفع في فرط تكرارها.

ولكن إزاء واقع يتسم ليس فقط بالفوضى على الصعد الدستورية والسياسية والقضائية، فضلاً عن الأخلاقية وتلاشي المسؤوليات عبر رميها على الآخرين، إلا أن اشتداد الأزمات لا يجب أن يعني مطلقاً ان لبنان هو باخرة التيتانيك كما ردد البعض أو أنه إلى زوال، بالرغم من تحذيرات وزير خارجية فرنسا المعروفة. أقله، وفق منطق الحياة نفسها. لأن الشمس تشرق غداً. فغداً هو يوم آخر.

في أواخر ثمانينات القرن الماضي نُشر تصريح صحافي للدبلوماسي والمفكر الأميركي الراحل جون كينيث غلبرايت عن الأزمة اللبنانية قال فيه ما يشبه دعوة اللبنانيين إلى عدم القنوط بعد السنوات الطويلة من الموت والدمار: “إن أكثر ساعات الليل سواداً هي التي تسبق الفجر بقليل…” ولعل ذلك هو قول مأثور على كل حال لجأ إليه الكاتب البرازيلي المعروف باولو كويللو في كتابه “الكيميائي” عام 1988 في المعنى ذاته، ويا للصدف في الوقت ذاته.

فالسنة الجديدة هي دائماً عنوان جديد إذ يتم خلع الثوب القديم واستبداله بثوبٍ جديد لأن هذا هو معنى السنة الجديدة.

تلك الليلة، في روما، في تلك السنوات نفسها، ليلة تقلّب أوراق الزمان في آخر يوم من السنة، كانت فنانة إيطالية معروفة تقدم إحدى أغنياتها في حفل ساهر نقله التلفزيون الإيطالي. وهي كانت مرتدية الفستان الأسود. وعندما كانت الساعة ترسل دقاتها القدرية مع الاقتراب الحتمي لمنتصف الليل وللسنة الطالعة، أخذت الفنانة تؤدي حركةً ظهرت وكأنها تخلع عنها الفستان. واحتار المشاهدون والحضور لبرهة في أمر هذه الحركة الجريئة إلى أن بانت النتيجة وظهر فستان آخر تحته، باللون الأحمر الساطع، فسقط الفستان الأسود تحت قدميها. وصفق الحضور ابتهاجاً.

تلك الليلة خلعت الإيطالية الحسناء ثوب الحداد. حداداً على سنة مضت. إذ لم يكن أبلغ من ذلك المشهد للتعبير عما انقضى، وعما هو مأمول به ليحصل. وذلك بصرف النظر إذا ما كان هذا الماضي سعيداً أو تعساً. وعلى كل حال فإن بين الأسود والأحمر حكايات من عمر الأجيال لعل من أبرز من خلدها هو الأديب الفرنسي ستاندال في روايته الشهيرة “الأحمر والأسود” عام 1830.

فالسواد هو من علامات الضنى لا بل من علامات الأمس. والنور من إشارات الغد.

فشروق الشمس هو أمل العالم منذ بداية التكوين. غداً يوم آخر. “غداً أعود إلى تارا” قالت سكارليت أوهارا في ملحمة “ذهب مع الريح” التي جسدتها فيفيان لي على الشاشة عبر رواية أحداث الحرب الأهلية الأميركية في منتصف القرن التاسع عشر. هكذا تغلب الناس في كل مكان وزمان على الكوارث والأحزان والفواجع. فيستمر شروق الشمس على ما قاله ارنست همينغواي في روايته، أكان ذلك على بهجة النظر إلى وجوه الأطفال الرُضع، أم على رعب التطلع إلى الرؤوس المقطوعة في زمن الإرهاب الحالي.

ولكن ليل اللبنانيين كان طويلاً هذا العام. صحيح أن الشمس أشرقت على المرفأ غداة الرابع من آب، ليطل المشهد الذي سيبقى محفوراً في سجل التاريخ، مثل زلزال بيروت عام 551 الذي تهدمت معه أول مدرسة للحقوق، فقضى طلابها تحت الحجارة، تماماً كما قضى شباب فوج الإطفاء في بيروت تحت ركام المرفأ. وذلك كعنوانين دائمين للموت والحياة، في الزلازل المدمرة وصروح العلم المنتصبة.

يومذاك وقعت كارثة طبيعية دمر معها كل الساحل الفنيقي. إذ لا قدرة لأحد لا بالأمس ولا اليوم على مواجهة مثل هذه الكوارث الطبيعية، سوى بمحاولات البعض شيادة أبنية ضد الهزات الأرضية. ولكن ما حدث في بيروت لم يكن كارثة طبيعية. ما حدث في الأزمة المالية لم يكن كارثة طبيعية. ما حدث في نهب الدولة لم يكن من فعل الطبيعة. ما حدث في احتلال الكراسي من قبل الجائعين للسلطة والمال لم يكن من فعل القدر. ولعل تلك العبارة التي تفوه بها الوزير البريطاني جايمس كليفرلي في زيارته إلى بيروت مطلع الشهر الحالي تختصر كل شيء “إن ما جرى في لبنان هو من فعل الإنسان”. لعل أولها هو الثنائية الذهبية: سلاح من جهة وفساد من جهة أخرى: اتركوا لنا السلاح وانهبوا قدر ما تشاؤون. فتركوا لهم السلاح ونهبوا قدر ما شاؤوا.

من فعل الإنسان حصل كل ذلك في لبنان. والإنسان كان في البدء مبرر وجوده. ولكن الإنسان يتماوج بين الجبابرة والأقزام. جبابرة كان الأوائل، رفعوا لبنان إلى حيث يجب أن يكون. وقدم حملة الأقلام أنفسهم إلى الشرق والعالم. فكان الفكر والطباعة والنشر والصحافة التي ازدهرت على أيديهم في مصر. فتحوا أبواب المعرفة أمام الجميع: “لو كان للقمر طريق لرأيت في مقدمة الواصلين اليه اثنين، واحد يحمل كشةً والآخر قلماً ودواةً. والاثنان من بلد اسمه لبنان”. هكذا كتب الأديب المهجري شكري الخوري في ثلاثينات القرن الماضي.

ولو كان للسلطة في لبنان طريقها الصحيح لرأيت في مقدمة الواصلين إليها أولئك المؤمنين بالإنسان وبلبنان هذا. لأن مشكلة لبنان، كما صار يصفها قادة العالم الصديق من أمثال الفرنسيين والأميركيين والأوروبيين أجمعين تكمن في من تسبب أو تسببوا بوصول لبنان إلى هذه الحال. إلى الإنهيار. أصلحوا أنفسكم أولاً، قالوا لنا مراراً.

على أن طريق #السلطة كانت ولا تزال حتى الساعة مفتوحةً أمام من يعرف الوصول، على أي مستوى من مستوياتها، وليس أمام من يستحقون الوصول في سبيل أن يبقى لبنان في الطليعة. رائداً كما كان من جهة ومُسيَّجاً، ومُسيجاً نفسه كما يجب من جهة ثانية. أن يحسن إقفال أبوابه أمام من يجب إقفالها. ويفتحها كما تقاليده، أمام الأصدقاء في الجبال والشواطئ والسهول المضيافة، أمام القادمين والمصطافين والذين يتطلعون إلى النهل من عطاءاته المختلفة والذين أحبوه بإخلاص.

في السنة الطالعة لا تصلح الدعوة للبس الأحمر. فالنفوس ليست مستعدة لذلك بعد، لأنه في واقع الأمور ليس هنالك ما يشجع حتى الآن على الانعتاق من الحداد.

ولكن الحداد لا يطول. في الجنائز يقيمون ذكرى الأسبوع أو الأربعين أو السنة إكراماً لصاحب الذكرى مهما كان الفراق أليماً. وهي للدلالة على أن الأيام تمضي. اليوم مآسي، ولكن غداً يوم آخر. يوم آخر بهمة اللبنانيين أولاً، بعزم دعاة التغيير الذين ملاؤوا المدن والشوارع في الأمس. بالاستحقاقات الداهمة التي ستحدث هي التغيير حتماً، بالقادمين الجدد من أهل الكفاءة والاستقامة. فالحداد ليس قدراً. والفساد ليس قدراً، والسيادة المنقوصة ليست قدراً. شيئٌ ما سيحدث، سيحدث قريباً جداً. صدقوا الشمس الواعدة التي تشرق كل يوم. غداً يوم آخر.