هل سدّد “حزب الله” الضربة القاضية للتحقيق في مرفأ بيروت؟

أحمد عياش – النهار

بعد أيام عاصفة رافقت قرار قاضي التحقيق العدلي فادي صوان بالادعاء على رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب وثلاثة وزراء سابقين، بدا المشهد بداية هذا الاسبوع وكأنه يشير إلى أن التحقيق الداخلي في كارثة إنفجار مرفأ بيروت يسير إلى حتفه، من دون ان تظهر ارادة لإبقائه على قيد الحياة. وقد كان لافتاً قيام “#حزب الله” بالخطوات اللازمة لكي يلقى التحقيق هذا المصير المشؤوم. فما هي التفاصيل؟




بداية، لا بد من الانطلاق من المعطيات التي استند إليها القاضي صوان كي يصدر قراره. وفي انتظار الافراج عن هذه المعطيات، كان لافتاً ما تسرّب للاعلام وسط العاصفة المشار إليها وانخراط الحزب في هذا التسريب، من دون ظهور ردود فعل من الجهات المعنية. فهل يعني ذلك أن التحقيق الداخلي أصبح يتيماً لن يجد من يدافع عن استمراره؟

في منتصف الجاري، نشرت “النهار” ملفاً كاملاً حمل عنوان “ألغاز أمونيوم الموت بالتفاصيل والوثائق”. وورد في هذا الملف المعطى الذي يجعل رئيس حكومة تصريف الاعمال قبل أن تستقيل حكومته على بيّنة من آخر المعطيات بشأن العنبر الرقم 12 الذي ضم أطنان نيترات الامونيوم على مدى 7 أعوام. وهنا أبرز ما جاء في ملف “النهار” على هذا الصعيد: “تقرير جهاز أمن الدولة وتحت عنوان “وجود باخرة راسية في مرفأ بيروت محّملة بكمية كبيرة من نيترات الامونيوم التي تستعمل للمتفجرات”، أنجزه ضابط في أمن الدولة هو الرائد جوزف النداف وهو اليوم موقوف في التحقيق بدلاً من أن يكافأ. عمل على هذا التقرير مدة ستة أشهر ومن بداية كانون الثاني 2020 وبيّن فيه “ان هذه المواد خطرة وتستعمل لصناعة المتفجرات”. كما بيّن “وجود اهمال وتقصير في حراسة العنبر وأن الادارات الرسمية لم تقم بأي إجراء بغية إبعاد الخطر الذي تتسببه هذه المواد في حال تعرضت للسرقة او للحريق”. وفي 3 حزيران 2020 ابلغ المدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا رئيس الحكومة حسان دياب شفهياً بنتيجة هذا التقرير… ثم وضع تقريره الخطي المفصل بإجراءات مديريته وأرسل نسخة منه إلى المجلس الاعلى للدفاع في 20 تموز، حيث تسلمه اللواء محمود الاسمر ورفعه إلى رئيس الحكومة. كما أرسل اللواء صليبا نسخة إلى رئيس الجمهورية في 20 تموز 2020 اطلع عليها في اليوم التالي”.

من 3 حزيران عندما تبلّغ الرئيس دياب من اللواء صليبا نبأ التقرير إلى 4 آب عندما وقع الانفجار الهائل، شهران. فهل هذه المدة قصيرة للغاية لم تسمح لدياب بالقيام بما يتوجب عليه القيام به كرئيس للحكومة؟

في المقابل، انبرى “حزب الله” إعلامياً للدفاع عن دياب، وقدّم عبر قناة “المنار” التلفزيونية التابعة له الرواية الآتية: “يقول الرئيس دياب انه تلقى اتصالاً من خضر طالب (المستشار الاعلامي ) ان اللواء طوني صليبا يقول إن هناك طنيّن اثنيّن من الـ” ت ن ت” وصلا إلى المرفأ ويجب القيام بالمداهمة فوراً للكشف عليهما. على الفور، اتصل الرئيس دياب بالمقدم عبدالله مسؤول الحماية بالسرايا وقال له: قم بتأمين الطريق صباح غد (كي يزور رئيس الحكومة المرفأ). وقام الضابط عبد الله بزيارة المرفأ، ونقل عن الضابط الموجود في المرفأ ان الموجود، ليس الطنيّن من الـ” ت ن ت”، وإنما الموجود هو 2750 طناً من نيترات الامونيوم والتي لم تصل بالامس، وإنما هي موجودة منذ 7 أعوام. عندئذ، اتصل المقدم عبدالله بالرئيس دياب وأبلغه بما سمعه، فطلب منه رئيس الحكومة الآتي: “ليكملوا تحقيقهم وعندما يختموه ليرسلوه إليّ لنقرر ماذا سنفعل. لكن بعد ذلك، انفجرت نيترات الامونيوم”.

في ملف “النهار”، ومنذ 3 حزيران الماضي، تبلّغ دياب نبأ أطنان نيترات الامونيوم. وعبر “المنار” ظهر اللواء صليبا “مفبركا”. ولم تنبرِ أية جهة مسؤولة لكي تقطع الشك باليقين، فهل يعني ذلك ان المطلوب ليس الحقيقة بل أمر آخر؟

كان لافتا أن ينبري زعيم تيار “المردة” النائب السابق سليمان فرنجية بالدفاع عن “براءة” حليفه “حزب الله” في ملف المرفأ، علماً ان احد الوزراء الثلاثة الذين ادعى عليهم القاضي صوان هو وزير الاشغال السابق يوسف فنيانوس الذي كان في سدة المسؤولية بعد وصول شحنة الامونيوم إلى المرفأ في نهاية العام 2013. ففرنجية رأى في حديث تلفزيوني “أن المسؤول الأول والأخير عن وجود نيترات الأمونيوم في المرفأ هي الأجهزة الأمنية، محمّلاً المسؤولية إلى رئيس الجمهورية لأنه رجل عسكريّ ويعرف خطورة نيترات الأمونيوم وهو كان قد تلقى كتاباً بوجودها في 21 تموز”، سائلاً: “لماذا لم يوعز(الرئيس عون) إلى وزير الاشغال بضرورة إزالة هذه المواد من المرفأ؟”. وشدد فرنجية على أن “حزب الله ليس له دور كما يظهر في الاعلام في موضوع المرفأ ونيترات الأمونيوم”.

في المقابل، سارع الوزير السابق اللواء أشرف ريفي عبر حسابه على “تويتر” بالرد على فرنجية: “كان الأحرى بصراحتك أن تتوجه لاتهام الأصيل وليس اللاعبين الثانويين”. وفي الوقت نفسه، دعا ريفي القاضي صوان إلى نشر إفادته التي أدلى بها امام الاخير. وكشف ريفي ما ورد في هذه الافادة وفيها: “إنّ نيترات الأمونيوم، أُرسِلت إلى لبنان من قِبل “الحرس الثوري” الإيراني لصالح “حزب الله” واستُعمل جزءٌ منها من قبل النظام السوري وجزءٌ آخر أرسله “حزب الله” إلى مجموعاته الإرهابية في قبرص والكويت وألمانيا وغيرها من الدول العربية والأجنبية. إنّ “الأمنيين يعلمون أن “حزب الله” يسيطر على مرفأ بيروت في التهريب واستيراد المواد المتفجرة، مكرّساً وجود مربع أمني ومربع جمركي في المرفأ”.

وسط هذا المشهد الذي يتلقف فيه الرأي العام المعطيات من خارج الجهات الرسمية والقضائية، يغرق لبنان في سوداوية هي امتداد للسحب السوداء التي غطت بيروت يوم الرابع من آب. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي جرى التداول في الساعات الماضية بنبأ جريمة اغتيال جوزف بجاني في الكحالة “بواسطة مسدس كاتم للصوت، فسدد الجاني رصاصة في رأس المغدور ورصاصة في قلبه، وأخذ القاتل هاتف المغدور الذي هو مصوّر معتمد لدى أحد الاجهزة الامنية”، وفق ما ورد على هذه المواقع.

قبل إطلاق الاستنتاجات وفق ما ورد بشأن هذه الجريمة، ما يخيف اللبنانيين ان الحقيقة في أكبر جريمة في تاريخ لبنان، تكاد تضيع في متاهات إعلامية لا كلمة للقضاء فيها. وعلى رغم التقارير الموثوقة التي تشير إلى مسؤولية “حزب الله” عن العنبر 12 طوال أعوام وجود أطنان نيترات الامونيوم فيه، فإن الحزب لديه ما يكفي من الشجاعة لتضييع هذه الحقيقة في هذه المتاهات. فهل سدد الحزب الضربة القاضية للتحقيق في مرفأ بيروت؟