تقاطع الأجندات الدولية في لبنان يبدد تطلعات ماكرون

عندما زار وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو باريس الشهر الماضي، لم يتردد في إبداء موقف الولايات المتحدة الرافض لإستراتيجية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمساعدة في حل الأزمة الاقتصادية والسياسية في لبنان.

ويقود ماكرون جهودا دولية لانتشال المستعمرة الفرنسية السابقة من براثن أعمق أزمة تمر بها منذ الحرب الأهلية، وقد سافر مرتين إلى لبنان منذ الانفجار الضخم الذي وقع في مرفأ بيروت في أغسطس الماضي وألحق خرابا هائلا بالمدينة.




ويحاول الرئيس الفرنسي استخدام النفوذ التاريخي لباريس في لبنان في إقناع السياسيين اللبنانيين المتناحرين بتبني خارطة طريق وتشكيل حكومة جديدة مكلفة باستئصال الفساد، وهو شرط أساسي للمانحين الدوليين بما في ذلك صندوق النقد الدولي لصرف مساعدات بمليارات الدولارات.

وكان من المقرر أن يعود في زيارة ثالثة الثلاثاء المقبل لكنه أرجأ الرحلة الخميس الماضي، بعد أن ثبتت إصابته بفايروس كورونا. وقال مسؤول مشارك في تنظيم الزيارة إنه قد يتحدث هاتفيا مع الرئيس اللبناني ميشال عون لكن لا توجد خطط أخرى في الوقت الحالي.

ومنذ البداية، واجه ماكرون جمود الطبقة السياسية اللبنانية المنقسمة، التي اشتبكت في ما بينها وتجاهلت التحذيرات الدولية من إفلاس الدولة، فضلا عن رفض واشنطن لخططه.

غراف

وقال نديم خوري، من مبادرة الإصلاح العربي، إن “الطبقة السياسية اللبنانية عالقة في تناقضاتها الخاصة وهي سعيدة بكسب الوقت”، مشيرا في تصريح لرويترز إلى أن رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري، الذي تم تكليفه بتشكيل حكومة جديدة بعد استقالة سلفه حسان دياب، غير قادر على تشكيل حكومة، وعلى الصعيد الدولي لن تسهل الولايات المتحدة الجهود الفرنسية لتشكيل حكومة.

ويتركز اعتراض واشنطن على خطة ماكرون على حزب الله، الجماعة المسلحة المدعومة من إيران والتي تتمتع بقوة هائلة في لبنان وتصنفها واشنطن منظمة إرهابية. ويجد الحريري صعوبة حتى الآن في تشكيل حكومة تتقاسم السلطة مع جميع الأحزاب اللبنانية، بما في ذلك حزب الله.

ولم تكن باريس راغبة في البداية في اضطلاع الحريري بهذا الدور، بعد أن فشل في السابق في تنفيذ إصلاحات، لكن في ظل عدم إحراز تقدم في تشكيل حكومة ذات مصداقية، لم يعارض ماكرون الترشيح. وتقول فرنسا إن ذراع حزب الله المنتخب له دور سياسي مشروع.

وفرضت واشنطن بالفعل عقوبات على ثلاثة سياسيين بارزين متحالفين مع حزب الله. وخلال مأدبة عشاء في باريس الشهر الماضي مع ثمانية سفراء، بعضهم سفراء دول أوروبية، أوضح بومبيو أن واشنطن ستفرض المزيد من الإجراءات إذا كان حزب الله جزءا من الحكومة، وفقا لشخصين مطلعين على زيارته.

وللمأزق تداعيات خطيرة على جميع الأطراف، فبدون دعم الولايات المتحدة، لن تمنح المنظمات الدولية والجهات المانحة لبنان الأموال التي يحتاجها للخروج من أزمة مالية يقول البنك الدولي إنها ستشهد على الأرجح سقوط أكثر من نصف السكان في براثن الفقر بحلول عام 2021.

وبعد أن تعهد وسط الأنقاض في بيروت بعدم التخلي عن الشعب اللبناني، يسعى ماكرون إلى إظهار بعض النجاح على صعيد السياسة الخارجية في المنطقة بعد أن خرج خالي الوفاض من مبادرات رفيعة المستوى بشأن ليبيا وإيران في السنوات الأخيرة.

وبالنسبة إلى الإدارة الأميركية المنتهية ولايتها، فإن اتخاذ موقف صارم من حزب الله يمثل أمرا حاسما لإثبات أن سياستها العامة في الشرق الأوسط، بما في ذلك سياسة الضغوط القصوى على إيران، فعالة. وقد رجحت مصادر دبلوماسية عدم تغير هذه السياسة سريعا مع قدوم الرئيس الجديد جو بايدن بالنظر إلى الأولويات التي ستعترض إدارته.

ولأن تدخل إيران في لبنان عبر ذراعها حزب الله يعد مشكلة في حد ذاتها بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن بايدن قد يستخدم سلاح العقوبات على طهران لردعها وإبعادها عن بسط نفوذها على دائرة صنع القرار في لبنان.

ويقول مراقبون إن الخلافات مع واشنطن بدأت تتفاقم بالفعل ما يمثل دائما تحديا صعبا لماكرون، فعندما تناول الغداء مع الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري في الأول من سبتمبر الماضي، كان هدف الرئيس الفرنسي ضمان التزام بري، زعيم حركة أمل الشيعية، بمهلة لتشكيل حكومة جديدة.

وأصر ماكرون على مهلة تتراوح بين عشرة أيام و15 يوما، وفقا لمصدر مطلع على الاجتماع. ورد بري، وهو من الشخصيات القوية في الحياة السياسية اللبنانية وكانت له يد في اختيار وزراء رئيسيين في السابق، قائلا “إن شاء الله.. إن شاء الله”. رفع ماكرون يده موضحا رفضه ذلك وشدد مجددا على مطالبه.

وعلى الرغم من أن ماكرون قال إنه حمل جميع الفصائل على دعم خطته، فقد أدرجت الولايات المتحدة وزيرين سابقين، أحدهما من حركة أمل، في القائمة السوداء بسبب روابطهما بحزب الله.

وقال ماكرون بعد ذلك بوقت قصير، ردا على سؤال عن عدم ترحيب الولايات المتحدة بجهوده “أنتم محقون في القول إن سياسة العقوبات التي تتبعها الإدارة الأميركية، دون تشاور أو تنسيق معنا، أدت إلى توتر الوضع”.

ومنذ ذلك الحين، فُرضت عقوبات على جبران باسيل، صهر عون الذي يرأس التيار الوطني الحر أكبر حزب مسيحي في لبنان، بسبب علاقاته بحزب الله. ويقول دبلوماسيون أميركيون وأوروبيون وإقليميون إن عقوبات جديدة تلوح في الأفق.

وأصبح حزب الله القوة المهيمنة في لبنان، بنواب منتخبين ومناصب في الحكومة. ورغم تأثر دعم إيران له بسبب العقوبات الأميركية، لا يزال الحزب أحد دعائم النفوذ الإقليمي لطهران.

وفي وقت سابق الشهر الجاري، ذكر مسؤولون فرنسيون أن الإجراءات العقابية الأميركية لم تفعل شيئا لتغيير الوضع على الأرض. وقال مسؤول رئاسي فرنسي للصحافيين في الثاني من ديسمبر “لم يوقفوا أي شيء… لكنهم لم يفتحوا المجال لأي شيء أيضا”.

يسعى ماكرون إلى إظهار بعض النجاح على صعيد السياسة الخارجية في المنطقة بعد أن خرج خالي الوفاض من مبادرات رفيعة المستوى بشأن ليبيا وإيران في السنوات الأخيرة

وقالت دوروثي شيا السفيرة الأميركية لدى لبنان في مؤتمر عبر الإنترنت لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إنه رغم أن الأولوية القصوى هي لتفادي فشل الدولة في لبنان، فإن واشنطن ترى أن حزب الله “لا يخدم سوى أسياده الإيرانيين”، وقالت إن الإجراءات الأميركية لها تأثير.

وتعتبر إسرائيل، أوثق حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إيران أكبر تهديد لها وترى حزب الله الخطر الرئيسي على حدودها. وقال مسؤولون إيرانيون إن الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله على اتصال بطهران لبحث كيفية التعامل مع مبادرة ماكرون، لكنهم لن يسمحوا بإضعاف حزب الله.

في غضون ذلك، وجد ماكرون نفسه وحيدا وهو يوجه اللوم إلى السياسيين اللبنانيين للتقاعس عن التزاماتهم. وقال في الثاني من ديسمبر “حتى اليوم، لم يتم الوفاء بهذه الالتزامات وحتى الآن، لا يوجد ما يظهر أنها كانت أكثر من مجرد كلمات. وهذا ما يؤسفني”.