وزير الأشغال ميشال نجار: أنا الوزير الأسوأ حظاً!

يختار كلماته بتأنٍ ويصر: لن أتحدث في السياسة. لا يحمل بطاقة حزبية لكنه من زمانٍ وزمان “فرنجيي” الهوى. بابتسامة هادئة يسرد بعض من مآسي حكومته مكررا “أنا الوزير الأسوأ حظا”. هو مثل المواطنين يخشى من آثار العواصف المناخية التي “تدلق” خيراتها مرة واحدة لكنه يستطرد بالقول “أحلى قوس قزح تشاهدونه في أسوأ عاصفة”. وزير الأشغال العامة والنقل ميشال نجار، التكنوقراطي، لا يفهم في انفجار المرفأ “فأنا لست خبير متفجرات بل مهندس مدني”. حوارٌ مع “معاليه” فيه أمل وفيه يأس. فهو، بطبعه، متفائل لكنه أتى الى وزارة “مخصصاتها صفر” في زمنٍ “لا يظهر فيه الخيط الأبيض من الخيط الأسود”:

ثمة عاصفة جديدة قادمة. هل تصاب بالقلق كلما أمطرت؟

المطر نعمة ونشكر ربنا عليه، لكن للأسف، إذا لم نعرف كيف نتعاطى معها تتحول الى نقمة. حين تمطر كما أمطرت هذه السنة أخاف لأنها “تدلق” كميات كبيرة ثم تتوقف. وفي آخر شتوة أمطرت ثلاثين ميليمتراً في ساعة، علماً أن معدّل الأمطار في شهر لا يتعدى 108 ميليمترات. لا نتهرب من المسؤولية لكن علمياً في أي منطقة في العالم حين تسقط كميات كبيرة من الأمطار بوقت قصير، ولا تكون مجاري البلاد مصممة لاستيعاب هذه الكميات، تنشأ المشاكل. حين يهطل المطر كما عندنا، حيث البنية التحتية قديمة ومهترئة، وفي وزارة استلمناها خالية من أي إعتمادات، كل ما يمكننا فعله هو تنظيف المجاري والإبقاء على جهوزية ورش الوزارة وتعزيز التوعية. نحتاج الى تعاون كل من المواطن فلا يرمي المهملات عشوائياً، والبلديات بدورها عليها الاهتمام بالصيانة في نطاقها فلا تنزل الوحول والردميات لتصب على الأوتوستراد، وهو ما حصل بدليل أن لون المياه على الأوتوستراد كان أحمر، وأعاد التراب والبحص إقفال المجاري. يتحمل كل من المواطن والبلديات ومجلس الإنماء والإعمار والبلديات الكبرى مثل بلدية بيروت والهيئة العليا للإغاثة المسؤولية. المواطن يعتقد خطأ أن لا مسؤولية هنا إلا على وزارة الأشغال.




وكأن الطقس ضدك؟

في الظروف التي نعيشها نشعر كأن الرب غاضب منا، ربما لأننا أسأنا التصرف بالنعمة التي أعطانا إياها. فقد أعطانا جنة على الأرض، بلد مذكور سبعين أو ثمانين مرة في التوراة. وبالآخر حولناه الى ركام ودمار ومناحرات ومناكفات. في كل حال انا متفائل وأثق بمقولة: أحلى قوس قزح تشاهدينه في أسوأ عاصفة.

تقول إنّك لست وحدك مسؤولاً.

أتحمّل كل المسؤولية وآمل أن يتحمل غيري المسؤولية كذلك. كل واحد منا، حتى المواطن، مسؤول عما يحصل بالمطلق، فجميعنا متضرر ولا أحد فوق رأسه خيمة. يوم الجمعة سنلتقي عند نفق شكا مع اللواء محمد خير، رئيس الهيئة العليا للإغاثة، كي نتكلم حول الحائط المنهار جنب نفق شكا. هذا الموضوع لا يتعلق بمسؤوليات وزارة الأشغال. هذا موضوع يتعلق مئة في المئة بالهيئة العليا للإغاثة المرتبطة برئيس مجلس الحكومة لكنني أخذت المبادرة وطلبت الإجتماع وسنلتقي جميعاً مع مهندسين من الوزارة ومن الهيئة لأننا لا نريد تقاذف الاتهامات بل نسعى الى الحلّ.

ما أهمية مثل هذا اللقاء طالما لا مخصصات بين أيديكم؟

نحن نعالج الموضوع في اساس مشكلته، مشكلة سعر صرف الدولار، وهذا المشروع الذي أخذوه بسعر 14 مليار ليرة على سعر صرف 1500 الآن أصبح يكلف أكثر بكثير. هناك مواد يفترض استيرادها من الخارج لذا توقف العمل. الآن وجدنا حلاً مع مصرف لبنان وصدر مرسوم قضى بدفع مبلغ إضافي للمقاول. نحن حالياً في انتظار انتهاء هذا الموضوع في ديوان المحاسبة. وبالتالي، على المدى البعيد حلينا الموضوع بجذوره وهو التمويل. اما ماذا ننوي فعله الجمعة؟ نريد القول اننا نشعر بمعاناة المواطنين على الطريق.

وماذا عن ظلام نفق شكا الدامس؟

صحيح، هذه مسؤوليتنا أيضاً لكننا نحتاج الى مولد وإعادة تأهيل الإنارة. المشروع بحاجة الى تمويل. نحن في حكومة ووزارات بلا اعتمادات. “دوّروا” بعض المبالغ لنا في آخر شهر آب، مع اقتراب فصل الشتاء، بعد فوات الأوان لأن طبيعة العمل الاداري والهرمية الادارية ومرور الاعتمادات في ديوان المحاسبة تأخذ وقتاً طويلاً. الموضوع بالتالي ليس قلة وعي منا لكن “العين بصيرة واليد قصيرة”. أنا أقلّ وزير أشغال حظاً لأنني أتيت الى وزارة تستدعي اعتمادات كثيرة لكننا في بلد منهار اقتصادياً ولا سيولة لدينا. انا من يتحمل غضب المواطن وعتبه ولومه لكنّ يديّ مكبلتان.

لكنك يوم استلمت قلت لسلفك الوزير يوسف فنيانوس: جئت لأكمل المهمة والعمل العظيم الذي قمت أنت به. نحن لم نر أشياء عظيمة فعلها وقد ورثت بنية تحتية مهترئة وتتحمل وزر ما ارتكبوه اليوم.

في المبدأ، كل وزير هو تكملة لمن قبله. ما قصدته انني جئت لاتابع المهمة. الوزارة ليست موقعاً نتقاعد فيه. في كل حال، حرام القول بأنّ كلّ الوزراء الذين سبقوني لم يقوموا بشيء.

المواطن لم ير شيئاً ملموساً وما تعانون منه الآن نتيجة ذلك.

حرام ان نقول انهم، بالموازنات القليلة المعطاة إليهم، لم يشتغلوا. بلى اشتغلوا على مساحة الوطن. لا أحد كامل، ولا شكّ أنهم أخطأوا في بعض الأماكن وذلك طبيعي لكنهم أنجزوا في مطارح أخرى. وكلنا نعاني من وزر السياسات وليست وزارة الأشغال وحدها.

طرقات لبنان هي للموت المجاني ولا حلّ لهذه المشكلة بعد. أنت، نفسك، قلت ذات يوم من هو غير قادر على الإنجاز فليرحل. أتتراجع عن كلامك؟

الوزراء يمثلون مواقع سياسية معينة بغض النظر عن جاذبية منصب وزير. لا أحد من الوزراء ينزل بالبراشوت. ولا وزير يأتي بناءً على CV. لذا ليس البقاء او الرحيل رغبة شخصية. على أيّ حال الوزارة اليوم “لعنة” فمتولّيها متهم. وأقول ذلك من خلال تجربتي الشخصية. لم أقدر على صرف اي موازنة وحاولت ان اكون شفافاً لكن الناس تعتبرنا، أنا وزملائي، كمرتكبين. ليس بوسعي قصد مكان عام أو المشي على الطريق. كل من هو في السياسة، سواء كان مخطئاً ام لا، يُصوّر كفاسد. “راح المنيح بعزا القبيح” وهناك علامة استفهام على الجميع.

لو قُدّر لك العودة الى الوراء 11 شهراً هل كنت رفضت المنصب؟

اذا أجبتك بنعم أكون كاذباً. الانسان على الصعيد الشخصي يطمح بالتقدّم على السلم الاداري وبأن ينجز. كنت اتمنى أن أكون وزيراً في ظروف أخرى. انا موجود اليوم كممثل لتيار المردة والوزير سليمان فرنجيه. وهذا شرف لي.

تكرر ذلك دوماً لكن ماذا بوسع وزير تكنوقراط ان يفعل إذا كان منتمياً الى حزب أو منضوياً تحت رايته؟

في 11 شهراً لم أتكلم أبداً في السياسة. احكي في ما يتعلق في شؤون وزارتي لا في سياسة البلد. أنا وزير لكل الناس. لستُ “ممسوكاً” حزبياً، وأشهد أنني في 11 شهراً لم أتلق أي طلب من سليمان بك “أحمّل” ضميري به. أما إذا كانت الفكرة صعوبة التوفيق بين الأمرين فهي فكرة غير دقيقة. في كل حال، عند الامتحان يكرم المرء او يهان.

ذكرت أنك عرفت بوجود نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت قبل 24 ساعة. هل تتذكّر لحظة دوّى الانفجار؟ أين كنت؟ ماذا فكّرت؟

كنت هنا في الوزارة. أنا عرفت قبل يوم واحد. عند المساء. وكان الديوان مقفلاً لذا تمّ تسجيل المراسلة في اليوم التالي، في 4 آب صباحاً. وبعيد الإنفجار سمعنا اخباراً عن وجود قنبلة تستهدف احد السياسيين. وهذا ما فكرنا به.

ثمة مسؤولون سمعوا بوجود النيترات قبل أسابيع أو أيام او ساعات… لماذا تزامن الأمر مع حصول الانفجار؟

لا يمكنني الإجابة. لا أملك معلومات.

ما دامت المعلومات تقاطرت إليكم جميعاً في اللحظة الأخيرة لماذا سمعنا من يؤكد أن الإنفجار ناتج عن تلحيم؟ لماذا تم استبعاد العمل الارهابي؟

اذا قلت اي شيء أستبق التحقيق. كوزير في الحكومة لا أملك حتى اللحظة اي فكرة عن كيفية حصول الانفجار. أنتظر مثلي مثل اي مواطن لبناني واهالي الضحايا التقرير الكامل. كانت هناك مواد خطيرة يفترض ألا تكون موجودة وهذا الموضوع الوحيد الذي لا خلاف عليه أما كيف حصل الانفجار فلست خبيراً في الموضوع. انا مهندس مدني. ولا يمكنني استباق التحقيق.

هل هناك انتقائية في قرار القاضي فادي صوان في استدعاء من استدعاهم؟

الموضوع السياسي اسمعوه من الوزير سليمان فرنجيه. انا لم أتكلّم طوال 11 شهراً في المسائل السياسية بل أحصر إجاباتي بما يتعلق بعملي في الوزارة. هذا الموضوع ليس سياسياً فحسب، وليس واضحاً أيضاً. صعب أن نتبيّن الخيط الاسود من الابيض فيه ولست مؤهلاً لمناقشة مواضيع من هذا النوع.

ثمة من يحذّر من تكرار ما حصل في المرفأ مع مطار بيروت. ما رأيك؟

بإذن الله لن يتكرر ذلك. نحن حريصون على السلامة العامة في مطار بيروت. لكن، لأن “من يحرقه الحليب يخاف من اللبن” اخذت موافقة استثنائية من رئيسي الجمهورية والحكومة وكلفت شركة اعادة تأهيل البنى التحتية التي قد تشكل خطراً على السلامة العامة. علماً انني منذ استلمت، لا أعرف بوجود أي خطر فعلي في المطار.

يدك مطلقة في المطار أم ثمة أحزاب لها اليد الطولى؟

بصفتي وزير الأشغال، لم يتدخل أحد معي، من أي حزب، في المطار. أبداً أبداً أبداً. وموضوع السلامة العامة مقدس.

انتُقدتَ مراراً من التيار الوطني الحر عبر وزيرة الطاقة سابقاً ندى بستاني ونبيل نقولا وآخرين… هل لديك خلافات سياسية معهم؟

بطبيعة الحال، موقع الوزير هو سياسي، ومن يقول بوجود وزارة، حتى ولو كانت تكنوقراط، لا تتعاطى في السياسة يكذب. أنا أمثل تيار المردة والوزير فرنجيه وهناك خلافات في وجهات النظر بين الطرفين. وبالتالي جزء من الانتقاد الذي يوجه لي له بعد سياسي. مع العلم اني كوزير حاولت ان ابقى على مسافة متوازية مع الجميع.

يكثر الكلام عن رفع الدعم عن البنزين، هل من بُشرى بشأن النقل المشترك مثلاً؟

هناك مشاريع تتعلق بشبكة النقل المشترك مع البنك الدولي. وكنا نفكر في الإنطلاق بمشاريع سكة الحديد لكن كما قلت سابقاً انا الوزير الأسوأ حظاً في تاريخ الوزارة. فالاعتمادات التي خصصت لي صفر ومطلوبة مني المعجزات. والناس ينظرون إليّ كما الى كل زملائي، بنظرة شك. كان هناك مشاريع كثيرة حول سكك الحديد اردت عرضها على مجلس الوزراء في جلستِه في 11 آب. لكن الحكومة استقالت في 10 آب.

ماذا عن قدرات مرفأ بيروت اليوم بعد أكثر من أربعة أشهر على الإنفجار؟

دينامو المرفأ هي محطة الحاويات التي لحسن الحظ صمدت. هناك تأتي البواخر وتفرغ وتحمل. هذه المحطة عادت تعمل بقدرة 90 في المئة. اما الأجزاء الأخرى فالكل يطلب “فريش ماني” لتأهيلها. انشاالله مع الوقت تحل هذه المشكلة.

الشباب اللبناني يائس ولا يتمنى إلا الهجرة ماذا تقول له؟

كلنا في نفس المركب. كلنا خسرنا الحلم. وخسرنا الودائع. وخسرنا الرؤية للمستقبل. لكن لا بديل عن الوطن. كرامتنا ومستقبلنا وسعادتنا هنا.

مساء، حين تضع رأسك على الوسادة هل تحلم بحلول؟ بلبنان جديد؟

أعتقد ان الصيغة والنظام السياسي باتا بحاجة الى اعادة نظر. أقول بعد خبرتي المتواضعة كوزير انه ادارياً اصبح من الصعب على المواطن اللبناني، في ظلّ هذا النظام، ان ينال حقوقه. لكن، لن نيأس. يمكننا بناء لبنان أفضل لا يتعرّض لخضات عند كل مفترق.

ماذا ستفعل أولاً بعد تشكيل حكومة جديدة وتحررك من منصب “وزير”؟

اول ما سأقوم به هو زيارة سليمان بك فرنجيه لشكره على ثقته بي.

المصدر: نداء الوطن