//Put this in the section //Vbout Automation
عقل العويط - النهار

السورياليّة 2020 هي هذا الواقع السياسيّ اللبنانيّ لا “فوقه” ولا “تحته” – عقل العويط – النهار

ليست السورياليّة ما (ومَن) هو “فوق” الواقع. أخطأ مَن اعتبرها هذا الاعتبار، ومَن استدرجها إلى هذا المعنى، أو قَسَرَها قسرًا، وألبسها هذا اللباس التفسيريّ التأويليّ الإرغاميّ. وإذ أعرف تمامًا ما هي السورياليّة في الأدب والفنّ، ومَن دعا إليها، ومَن نادى بها، ومَن عاشها، ومَن كتبها، ومَن رسمها، ومَن أمعن في تظهير هذياناتها ومكبوتاتها وهلوساتها. وإذ أعرف كلّ شيءٍ عنها، فإنّ ما لا يعرفه أحدٌ ربّما، هو أنّ ثمّة في بلادنا سورياليّةً هي السورياليّة الحقّة، حيث لا فائدة من البحث عنها في الأدب والفنّ، أو من الاجتهاد في تقديم نماذج عنها، عيشًا أو كتابةً أو تعبيرًا، أيًّا تكن وسائله وتعبيراته وأشكاله.

أزعم زعمًا (يقينيًّا) أنّه لو كان للسورياليّة نبعٌ ووطنٌ وأرضٌ ودولةٌ وكيانٌ ومعجمٌ وبوصلةٌ وطبقةٌ سياسيّة، لكان لبنان نبعها ووطنها وأرضها ودولتها وكيانها ومعجمها وبوصلتها و… طبقتها السياسيّة، وهذه الأخيرة هي أبهى تجلّيات السورياليّة، برؤسائها ورؤساء حكوماتها ورؤساء مجالس نوّابها ووزرائها وزعمائها وقادتها ونوّابها ومصرفيّيها وإداريّيها وموظّفيها ورجال أمنها واستخباراتها ومرتزقتها ومالها ودينها ودنياها.




ما رأيتُ شيئًا أو أحدًا يعبّر عن السورياليّة، ويتقمّصها، ويتماهى بها، ويجسّدها، مثل أهل الحكم في لبنان. إنّهم نبعها الأعمق، ونهرها الأكثر ترقرقًا وانسيابًا وشفافيّةً، ونسغها، ولحمها الحيّ، ووعيها، ولاوعيها، وهم مثالها الأعلى، ونموذجها العفويّ الأقصى. لأنّ سرّ السورياليّة أنْ تكون عفويّةً، لا مفتعلةً ولا مصطنعةً ولا مركّبةً تركيبًا.

هؤلاء هم السورياليّة بداهةً، مضفورين ومكلَّلين بمواهبَ لا صنوَ لها ولا مثيل.

هؤلاء الصفوة والندرة النادرة، الاستبداديّون الفاسدون الانتهازيّون المتسلّقون النيرونيّون المذهبيّون الطائفيّون الماليّون المصرفيون الأمنيّون المافيويّون الميليشيويّون، هم عصارة السورياليّة البهيّة المتفجّرة من ينابيع الوعي واللاوعي اللبنانيّين العريقين.

فما أغنانا بهم، وما أعظمنا.

إنّي أُشفِق إشفاقًا موجِعًا على بابا السورياليّة أندره بروتون ورفاقه السورياليّين، مثلما أُشفق على زملائه وأتباعه وورثته من الشعراء والكتّاب والروائيّين والسينمائيّين والرسّامين والموسيقيّين والنحّاتين والمسرحيّين والمغنّين، ماضيًا وحاضرًا (ومستقبلًا)، لأنّهم يعجزون عن أنْ يكونوا سورياليّين بقدْر سورياليّة عباقرة السلطة في لبنان.

سبحان الخالق الذي يهب مَن يشاء، ويحجب عمّن يشاء، ويُعلي مَن يشاء، ويُنزِل مَن يشاء. إنّ الدنيا ودولها وحكّامها وسلاطينها ورؤساءها والساهرين على حسن تطبيق دساتيرها وقوانينها، قسمةُ أرزاق، وقد رُزِقنا وأُعطِينا في هذا الباب ما لم يُرزَق به أحدٌ أو يُعطَ مثله في الكون الأرضيّ برمّته.

إنّي أعجب العجب العجاب كيف تعرَّف السورياليّة بأنّها “فوق” الواقع! خسئ مَن قال هذا القول. أنظروا إلى لبنان في العام 2020 (وقبله بأعوامٍ وعقودٍ وأجيال)، تُعطَوا الجواب اليقينيّ المفحِم الجليّ. أنظروا إليه من خلال وجوه حكّامه وقادته وزعماء أحزابه وتيّاراته وميليشياته، وأنظروا إليه بمنظار بيروته، ومينائه، ومنارته، ومطاره، ومستشفاه، وجامعته، ومدرسته، وليرته، ودوائه، ومائه، وهوائه، وترابه، ومصرفه، ترَوا السورياليّة نفسها أجسامًا مجسّمةً وأرواحًا متجلّيةً. أنظروا إلى فعائل هؤلاء الجنرالات الملهمين ومنجزاتهم، في الدولة وفي الناس، ترَوا موتًا وحجيمًا وجهنّم وخرابًا ودمارًا وانهيارًا وتفكيكًا وتشريدًا وتفقيرًا وتيئيسًا وتهشيلًا وتقتيلًا وهلمّ.

هاكم أمثلةً متواضعة، وهي قلّةٌ من كثرة:

لو لم يكن واقعنا السياسيّ سورياليًّا، أكان يعقل أنّ يظلّ حاكمٌ ومسؤول في الحكم والمسؤوليّة بعد تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020، ودمار ثلث العاصمة، وقتل وتشريد مئات الألوف من أهلها؟

لو لم يكن واقعنا السياسيّ سورياليًّا، أكان يعقل أنّ يظلّ حاكمٌ ومسؤول في الحكم والمسؤوليّة، في حين أنّ سعر صرف الدولار الرسميّ هو تقريبًا 1500 ليرة لبنانيّة، وسعره في المصرف تقريبًا 3800 ليرة لبنانيّة، وسعره في السوق السوداء تقريبًا 8 ملايين ليرة لبنانيّة وما فوق؟!

لو لم يكن واقعنا السياسيّ سورياليًّا، أكان يعقل أنّ يظلّ حاكمٌ ومسؤول في الحكم والمسؤوليّة، في حين أنّ ودائع الناس المودعة في المصارف لم تعد موجودة؟!

لو لم يكن واقعنا السياسيّ سورياليًّا، أكان يعقل أنّ يظلّ حاكمٌ ومسؤول في الحكم والمسؤوليّة، وخصوصًا بعد أن يصدر إدّعاءٌ قضائيٌّ في حقّه في شأن كارثة المرفأ، ثمّ تقوم الدنيا ولا تقعد لأنّ محقّقًا عدليًّا “تجرّأ” وأصدر إدّعاءً – أيًا كان الإدّعاء – في حقّ بعض أفراد طاقم الطبقة السياسيّة العليّة؟!

لو لم يكن واقعنا السياسيّ سورياليًّا، أكان يعقل أنّ يظلّ حاكمٌ ومسؤول في الحكم والمسؤوليّة، في حين أنّ أكثر من مليون شخص نزلوا إلى الشوارع ولا يزالون ينزلون مطالبين بمحاكمة المسؤولين، كلّ المسؤولين، وبتنحّيهم عن السلطة؟!

وما تكون السورياليّة إلّا الواقع المُشار إليه، بما هو عليه هنا والآن؟!

أيجب أنْ تكون السورياليّة اختراعًا أدبيًّا أو لغويًّا أو سينمائيًّا أو مسرحيًّا أو تشكيليًّا أو موسيقيًّا أو غنائيًّا، لكي نؤمن ونصدّق أنّ السورياليّة هي السورياليّة؟

وهل ثمّة اختراعاتٌ ممكنةٌ أو محتمَلةٌ أو متخيَّلةٌ أو افتراضيّةٌ، توازي أو تنافس ما نعاينه من هذه الاختراعات الميمونة الفريدة والفائقة القيمة، الماثلة أمام حواسّنا وعقولنا، التي يعجز عن إتيان مثيلاتها الملهمون العباقرة الشعراء والروائيّون واللغويّون والسينمائيّون والفلاسفة والمفكّرون والمثقفّون والمسرحيّون والرسّامون والنحّاتون والموسيقيّون والمغنّون؟

هذا الواقع اللبنانيّ السياسيّ الوطنيّ، الذي يديره هؤلاء الجهابذة، ويشرفون عليه، ويتباهون به، وينظّرون له، ليس الواقع البالغ الازدهار والإزهار، بل هو هذا الواقع الواقعيّ الكارثيّ المأسويّ الفجائعي الجهنميّ القياميّ، الذي يُقاس بذاته، ويُقاس عليه، وتُتّخَذ منه الجينات والعينات، ليكون نواة الذرّيّة السورياليّة المصطفاة، وليكون منارة المنارات السورياليّة للأجيال والشعوب والأمم الباحثة عن تمريغ الرفاه والسعادة والغبطة والأمل والحبّ والحلم في الأرض.

ها هنا الوصفة والخلطة والمختبر والإناء والمكان والملجأ والمبتغى. فاقصدوه أيّها الأمم والشعوب، ليكون الميناء والبرّ الآمن والأمين والقاموس والمعجم والتفسير.

لقد قال أهل أميركا اللاتينيّة بالواقعيّة السحريّة، وكذا فعل أدباؤهم العظام، روائيّوهم، شعراؤهم، فنّانوهم، رسّاموهم، نحّاتوهم، مسرحيّوهم، وموسيقيّوهم.

هنا، في لبنان، يسطّر لنا السادة الحكّام من كلّ صنفٍ ونوعٍ ورتبةٍ ومرتبة، مانيفستًا نظريًّا وتطبيقيًّا – لا قبلَه ولا بعدَه – في عبقريّة السورياليّة الواقعيّة، و/أو الواقعيّة السورياليّة. من شأن هذا المانيفست النظريّ التطبيقيّ أنْ يجعل عينَي أندره بروتون (وبيانه السورياليّ) مطأطِتين في الأرض. ولا بدّ أنْ تهرع عينا غبريال غارثيا (ماركيز ما غيرو) باحثةً عمّا تختبئ وراءهما، خشية أنْ تطفئهما شمس السورياليّة الواقعيّة اللبنانيّة، و/أو شمس الواقعيّة السورياليّة اللبنانيّة.

أتكون السورياليّة هي ما “فوق” الواقع؟! خسئ المنظّرون، أينما كانوا.
هي الواقع، والآن، وها هنا، وبامتياز.

وهي هذه السورياليّة – الماركة المسجّلة حصرًا بالسادة الحكّام اللبنانيّين وبطبقتهم السياسيّة – الطائفيّة – الماليّة – الدينيّة – الأمنيّة، وهي الماركة غير القابلة للنسخ ولا للتقليد ولا للمنافسة. عشتم وعاشت السورياليّة اللبنانيّة. والسلام!