//Put this in the section //Vbout Automation

التأجيج الطائفي “ضحك على الشعب”… في زمن البؤس

مجد بو مجاهد – النهار

لطالما شهدت اللعبة السياسية في لبنان عروضاً استعراضيّة على طريقة إخراج الأرانب من الأكمام، كلّما شاءت الأحزاب الحاكمة أن تصوّب على بعضها البعض لضمان مصالحها وحصصها على طريقة تموضعات الهجوم والدفاع؛ لكن عند احتكام هذه الاحزاب إلى لعبة الثعالب في السيرك السياسيّ بدلاً من تحريك قبعة الأرانب الكلاسيكيّة، فهذا يعني أنّ غايتها أشمل وأوسع وأكثر مكراً وقد يكون الهدف منها الحفاظ على تماسك أوجِرة قاعدتها الزعماتية وعدم اضمحلال رصيدها الشعبي. والثعالب عندما تبني وِجارها، تحفر تحت الأرض وتفتح مداخل عدّة، وكذلك تعتمد الطبقة السياسية في لبنان على بناء خنادق الخطاب الطائفي واستعادة لغة الحروب والنزاعات، إذا شعرت بتطورات غير مريحة.




وها هي اللغة المذهبيّة تستعر مجدّداً على كلّ المقالب، بعدما نجحت انتفاضة السابع عشر من تشرين في إخمادها على مدى أشهر. يأتي ذلك في زمن “القلّة التي تولّد النقار” وحاجة الحكام الى بروباغندا دسمة تسهم في إسكات الشعب وإلهائه بعد التضحية به والتحضيرات لاتخاذ القرارات المؤلمة في حقّه، مع حفاظ الطبقة السياسية على مكتسباتها وامتيازاتها وأموالها وامتناعها عن تنفيذ الإصلاحات المطلوبة منذ سنوات للمساهمة في بداية استعادة العافية الاقتصادية.
ويرسم التعبير عن الأفكار في زمن مواقع التواصل الاجتماعي مؤشرات مقلقة، تشير الى عدم قدرة فئات شعبية واسعة على التحرّر من إدمان آفة لغة التخاطب المذهبي رغم كلّ الضرر الذي ألحق بها نتيجة هذه العقليّة. ومن هنا، قد لا يكون تحميل المسؤولية لزعماء الطوائف وحده في مكانه في وقت تقع المسؤولية الأكبر على الجذور الشعبية.

يسود الحديث على المقلب الشيعي عن رفض المسّ بالسلاح رغم كلّ النكبات التي ألحقها بأبناء البيئة نفسها الذين تحوّلوا بارود مشروع اقليميّ مستبدّ للقتال في بلاد بعيدة. ولعلّ المؤشّر الذي يدعو الى بعض القلق ويستدعي التوقّف عنده، يكمن في ما قاله أحد الفائزين بانتخابات “النادي العلماني” في الجامعة اليسوعية في مقابلة تلفزيونية، عندما سُئل عن موضوع السلاح، فقال إنّه أتى للحديث عن نتائج الانتخابات، ثم أشار الى أنّه “كان في حرب تموز ولا يزال جزءاً من هذه المقاومة”. يؤشر ذلك الى تناقض بين العلمانية وتأييد فعل حزب ديني. علماً، أن هذا المثال فردي ولا يشمل “النادي” الذي عبّر عدد من قياداته عن طروح واضحة وصوّبوا مباشرةً على “حزب الله”.

ولا بدّ من الإشارة إلى معطيات تشير إليها أوساط ناشطة في #الانتفاضة في قولها إنّ “ضغوطاً يتعرّض لها ناشطون يقطنون في مناطق معيّنة وخصوصاً تلك المحسوبة على الحزب، ما يشير إلى الأسباب التي تدفع الى اعتمادهم لغة تخفيفيّة في بعض المواضيع الحساسة”.
على المقلب السني، التأجيج يتوسّع في موضوع صلاحيات رئاسة الحكومة رغم أن شعارات كهذه لا تطعم خبزاً، وثمّة من يسأل عمّا تبقى من صلاحيات الرئاسة في ظلّ تجارب حكومية محاصصية لم تنفّذ أي اصلاح وكان آخرها تجربة الحكومة المستقيلة التي أفقدت الموقع ما تبقى من هيبته وقدرته على صناعة أي قرار.
أما في الساحة الدرزية، فالحديث الأبرز يتمثّل في ملف وزارة المهجّرين رغم أنّ انتقادات سلوك عشرات الموظفين، من دون تعميم، الذين دخلوا فقراء الى هذه الوزارة أو سواها، وخرجوا منها أثرياء يدخّنون السيجار ويتشاوفون على أبناء جلدتهم، لطالما كان حديث البيئة الدرزية نفسها ومصدر انتقاداتها. وهذا ما يشير الى خطورة العزف على الوتر الطائفي من فريق سياسي يفتح الملفات الانتقائية دون سواها من الملفات التي تخصّه، ما يشكّل خدمة للموظفين المرتكبين ويحوّلهم الى مضطهدين.

مسيحياً، شعار “الفيدرالية” هو المسيطر. يرى خبراء أن كثراً من الذين يردّدون هذا الشعار لا يدركون معناه ويخالون أنّه يتيح الحكم الذاتي. لكن تطبيق “الفيدرالية” الآن يعني تحوّل لبنان الى مقاطعات شبيهة بقطاع غزّة، لأن هذا النظام لا يحلّ معضلة السياسة الخارجية التي تبقى واحدة رغم أنّها السبب الرئيسيّ للويلات التي يعيشها لبنان اليوم. ويعني ذلك “فيدرالية” برعاية ايرانيّة وعلى العتمة، فيما لا بدّ من حلّ مشكلة الكهرباء وتنظيف القطاع من الفساد.
إلى أي مدى يهدّد هذا مشهد #التأجيج الطائفي بعض المكتسبات التي حققتها انتفاضة 17 تشرين لناحية التحول في الخطاب الشعبي ونظرته الى الواقع اللبناني؟

تقول مديرة نواة للمبادرات القانونية والناشطة في التوعية لحقوق الانسان وفي 17 تشرين ليال صقر لـ”النهار” إنّ “الشعب أرسى في الانتفاضة مبادئ الوحدة ونبذ الطائفية ووضع القيم التي يحلم بها على قاعدة المساواة. وبات الشعب في مكان والطبقة السياسية في مكان آخر، رغم عدد من المناصرين الذين يتبعون الحكام لأسباب متعلقة بالخدمات الاجتماعية في ظلّ عدم بناء دولة تؤمّن الحاجات المعيشية للمواطن. نأمل أن 17 تشرين ستؤسس لبناء دولة مرجعية للمواطن عوضاً عن الطائفة، باعتبار أن تجذّر الطائفية ليس سببها حبّ الزعيم بل غياب البديل الذي يؤمن مطالب الشعب. وفي حال بناء دولة تنفّذ الإصلاحات وتؤمّن الرعاية الاجتماعية للمواطنين، سنرى أن اللبنانيين ليسوا طائفيين، بما في ذلك مناصرو الأحزاب الذين سيمتنعون عندها عن انتخاب الطبقة الحاكمة. لذلك فإنّ انتفاضة 17 تشرين بحاجة الى تنظيم وبناء مشروع بديل على أسس تنفيذ الإصلاحات وبناء دولة تمسك المدرسة والجامعة والمستشفى وتعتمد المساواة معياراً بين المواطنين. حتى إن ذلك سيسهم في تغيير داخلي في الأحزاب نفسها”.