//Put this in the section //Vbout Automation

هل انتهى شعار “لبنان أوّلاً” بتشرذم رافعيه؟

سركيس نعوم – النهار

الشعوب اللبنانيّة مُنقسمة بالنظرة إلى العلاقة بين بلادها و#سوريا في المرحلة الراهنة كما في المراحل المقبلة، أي بعد دخول الأزمة – القضيّة السوريّة مرحلة الحلّ وانعكاسات ذلك على لبنان سواء قبل التوصّل إليه أو بعده. فالسُنّة الذين كانوا يوماً أي قبل الاستقلال عام 1943 وبعده إلى حدٍّ ما قادة المُسلمين في لبنان على تنوّع مذاهبهم يُفضّلون وحدة البلاد مع سوريا على قيام دولة مُستقلّة فيها تبنّوا بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري شعار “لبنان أوّلاً”، الذي عنى في حينه التمسُّك باستقلاله وخروج القوّات السوريّة منه بعدما صارت احتلالاً أو وصاية في رأيهم لأسباب مُتنوّعة، والحرص على علاقات أخويّة لكن نديّة معها، وعلى عدم فتح الباب أمام عودة لبنان ساحة خلفيّة لها قراره في دمشق وأمنه توفّره قوّاتها الموجودة فيه مباشرة وقوّات حلفائها اللبنانيّين الذين تمسّكوا بوجودها ودورها في وطنهم بعد انسحابها منه. وهم لا يزالون مُتمسّكين بالشعار نفسه، لكنّه بعدما وحّد ثلاثة شعوب لبنانيّة أي المسيحيّين والسُنّة والدروز سنوات عدّة تسرَّب الوهن إليه، ولا سيّما بعدما فرّقت المصالح السياسيّة والزعاماتيّة والمكاسب المتنوّعة الفئويّة والشخصيّة أطرافه. لكنّه لا يزال شعاراً مرفوعاً. في هذا المجال لا بدّ من الإشارة إلى أنّ أحد أسباب تمسُّك السُنّة بـ”لبنان أوّلاً” نظام الأسد في سوريا وربّما نظام “حزب البعث”، وخصوصاً بعدما نجح الرئيس الراحل حافظ الأسد بالإمساك به والحكم من خلاله، الأمر الذي ساهم قصداً أو من غير قصد في إعطاء نظامه طابعاً مذهبيّاً، ولا سيّما بعد ممارساته اللبنانيّة التي سلبت القرار الوطنيّ من الجميع، واعتمدت على شعب واحد هو الشيعة وبضعة حلفاء لتركيز نفوذها فيه وسيطرتها عليه. كان الرهان عليهم في مكانه، إذ برهنوا للأسد الإبن بعد تولّيه الحكم في أعقاب انتقال والده المؤسّس إلى جوار ربّه أنّ الاعتماد عليهم كان في محلّه. كان ذلك من الأسباب التي أضعفت “لبنان أوّلاً” جرّاء النجاح في إضعاف لحمة فريق 14 آذار المُناهض لسوريا وحلفائها اللبنانيّين وفي ضرب وحدتهم بالتلويح بالقوّة حيناً وباستعمالها حيناً وبالإغراءات السلطويّة والمكاسب غير السياسيّة التي توفّرها. هذا الواقع المشروح يُفسح في المجال أمام طرح أسئلة عدّة أهمّها: هل كان “لبنان أوّلاً” سيبقى شعاراً ثابتاً للسُنّة لو نجحت الثورة السوريّة في إسقاط نظام الأسد الأقلّوي في رأيهم، وفي استعادة السُنّة أي غالبيّة الشعب السوري الدور والنفوذ في النظام الجديد رغم ما أُشيع كثيراً في حينه عن ديموقراطيّة النظام الجديد وليس عن علمانيّته؟




أمّا الشيعة فقد مكّنهم الوجود السوري الأسدي في لبنان من التحوُّل قوّة محليّة سياسيّة وعسكريّة وديموغرافيّة وازنة باعتماده عليهم في المحافظة على مصالحه وفي تنفيذ سياسته وأهمّ أهدافها البقاء في لبنان والسيطرة عليه. تجاوب معه هؤلاء لاعتبارات عدّة منها المذهبيّة التي يبدو أنّها مُستفحلة ليس عندهم فقط بل عند المسلمين كلّهم. ومنها ثانياً التقارب المذهبي بين الأقليّة السوريّة المُشكّلة عصب النظام وبين الشيعة اللبنانيّين. ومنها ثالثاً يأس النظام من المسيحيّين الذين رفضوا حمايته لهم إذ اعتبروها ثمناً لاستمرار دورهم الراجح في دولة لبنان ونظامها، والذين انقلبوا عليه في سرعة وراهنوا على أعدائه في المنطقة، وأوّلهم #إسرائيل وثانيهم عراق صدّام حسين فضلاً عن المجتمع الدولي الغربي الذي طالما تعاطفوا معه وعطَف عليهم. ومنها رابعاً عدم ثقة النظام بالدروز اللبنانيّين لحرصهم على استمرار دورهم المؤسِّس للبنان فيه رغم ضموره قليلاً بعد قيام الدولة واستقلالها عام 1943، واتّهامهم له بالمسؤوليّة عن قتل الشهيد كمال جنبلاط زعيمهم الأوّل وكانوا يسمّونه “عامود السما”.

أمّا المسيحيّون فكانوا دائماً ضدّ النظام السوري وخائفين منه قبل حروب 1975 – 1990، التي تجلّى فيها دوره السلبيّ الهادف إلى استنزافهم والفلسطينيّين الذين قاتلوا ضدّهم إلى جانب المسلمين عموماً. كان طبيعيّاً، بعد خيارهم الإقليمي المُعادي للعرب وقضيّتهم حفاظاً على وجودهم كما قالوا يومها، أن لا يكون لهم مكانٌ على خارطة حلفاء سوريا، ولا سيّما بعد خسارتهم الحرب وإيكال العرب وأميركا مُهمّة تطبيق اتفاق الطائف إلى سوريا الأسد الأب. لكن بعد خروجها من لبنان نجح حليفها الأبرز وحامي ظهرها فيه ومنه أي “الثنائيّة الشيعيّة”، وبعد نجاح القُطب الأساسيّ فيها “حزب الله” في تحرير لبنان من إسرائيل عام 2000، جرى استقطابٌ مُثلّث قام به رئيس لبنان في حينه حليف سوريا و”الحزب” وسوريا مباشرة لفريق مسيحيّ قويّ شعبيّاً جرّاء مقاومته سوريا، فقام تفاهم رسميّ بينه وبين “الحزب” وغير رسمي مع القوى الإقليميّة التي تدعمه.

طبعاً لا يمكن في هذا المجال إنكار دور إيران الإسلاميّة وسوريا الأسد في توحيد الساحة الشيعيّة بعد اقتتال داخلها بسبب تنافسهما على لبنان، ثمّ في تمكينها بعد اتفاقها مع دمشق داخليّاً من مقاومة الاحتلال الاسرائيلي ولاحقاً من جعلها قوّة عسكريّة إقليميّة مُهمّة ذات دورٍ كبير في سوريا ودول عربية أخرى كما في العالم بالتنسيق مع النظام في طهران. لا يمكن إنكار أنّ ذلك أغرى الفريق المسيحي المُشار إليه أعلاه بالتحالف مع هذه الساحة الشيعيّة تحقيقاً لأهدافٍ “استراتيجيّة” أحدها الوصول إلى رئاسة الدولة. سمح ذلك لـ”الثنائي الشيعي” مع الفريق المسيحي القويّ شعبيّاً وفي ظلّ اندفاع إيران الناجح في سوريا وشرق المتوسّط، بالسيطرة على البلاد أو بالأحرى في التحوّل رقماً صعباً بل الرقم الأصعب فيها وصاحبة الكلمة الأولى وربّما النهائيّة فيها على الأقل حتّى الآن. في أي حال لم يُعِد ذلك كلّه لبنان وسوريا الأسد دولتين متصالحتين ومُتحالفتين رسميّاً بسبب الحرب التي لم تنتهِ في الثانية، لكنّ “الرقم الصعب” وبعدما أمسك بالدولة دفع لبنان إلى التعامل مع سوريا على نحوٍ غير رسميّ، وغير الرسمي يكون دائماً على حساب الرسمي أي الدولة وعلى حساب الناس.

هل سيُصبح لبنان دولة مُستقلّة حامية لحدودها مع إسرائيل وسوريا؟ ومتى؟ وهل سيسبق ذلك مخاضٌ صعبٌ جداً وعنيف؟ وهل يكون لإسرائيل دورٌ في هذا المخاض ولسوريا دورٌ في لبنان بعده؟ وماذا سيكون مستقبل سوريا؟