سمير عطا الله

ولا في الناس مسرَّة – سمير عطالله – النهار

“ليس من حزن أعظم من تذكُّر السعادة في زمن البؤس”.
دانتي

في لحظات الهروب الكبير مما أُوصِلوا إليه، يسمي الناس كل إشارة الى الماضي، كتابةً عن “الزمن الجميل” تمييزاً عن معالم زمنهم. صدر قبل ايام للدكتور #بهيج طبارة “كتاب في دولة القانون”، وهو مختارات قيِّمة من مطالعات في قضايا وخلافات دستورية نشرها في “السفير” على 24 عاماً، ومعها بضعة فصول من سيرته.
يقول لنا هذا المسلم السنّي الذي يبدو في ملامحه ولون بشرته، وكأنه متحدر من البورجوازية الاسكندينافية، إن مدرسته كانت الجامعة الاميركية، واستاذه فيها كان فؤاد سليمان، وان استاذه في المحاماة كان فؤاد بطرس. إذن، النتيجة الطبيعية، شخصية اسمها بهيج طبارة.




ذلك لم يكن “الزمن الجميل”. ذلك كان الزمن العادي، الطبيعي، المتوقع. استاذ الأدب من مرتبة فؤاد سليمان، وصاحب مكتب المحاماة من طينة فؤاد بطرس، وبالتالي، فإن الجيل التالي هو خلاصة بهيج طبارة.

هكذا كان الإطار العام في كل شيء: لا مفاجآت، وإنما زرع وحصاد. وتميّز. الاساتذة كان اكثرهم فؤاد سليمان، والمحامون الكبار كانوا فؤاد بطرس، والخبراء الدستوريون كانوا ادمون رباط وحسن الرفاعي ونصري المعلوف. وقس على ذلك، إذا جمعتنا يا جرير المجامع.

لم يكن أحد منتبهاً الى ان الحياة اليومية العادية التي نعيشها كانت “زمناً جميلاً”، سوف ننوح عليه كلما اشتدت القباحة على الزمن. الناس تجمّل النصوص، وليس العكس. فالحياة في الناس لا في البنود. ويخبرنا بهيج طبارة ان النقاش كان دائماً حول التفسير الدستوري ومرجعياته ومراجعه وسابقاته، لكن هذا الانتظام الذي عاش به الناس والبلاد واحتمت به المبادىء، لم يكن يوماً “عفناً” ولا “نتناً” ولا ضنيناً بالتراحم في تدبير شؤون الناس وامور الدولة وإبعادها عن فكر الهلاك واشخاص التهلكة. ذلك يوم كان الدستور لأهل الدساتير واصحاب الضمائر والجناب والذين سُمعتهم أعلى من أرواحهم.

من أهم ما لفتنا إليه رشيد درباس في افتتاحية الثلثاء الماضي، ان دستورالطائف ضَمَنَ المناصفة للمسيحيين، بصرف النظر عن الاحصاءات والبيانات والارقام المتهاوية. هنا يتدخل الحرف النبيل والنضِر والوسيع الصدر، لكي يحمي الرقم الصغير من النقص وعقده. فالدساتير روح يُرجَع إليها بحثاً عن عدالة القانون، لا عن جفافه. والعدالة هي تلك التي تمنح المحكوم بالاعدام، تمنيات اللحظة الأخيرة قبل المشنقة. ومَن ليست في قلبه هذه القدرة على السمو، ليس في مسلكه القوة على التبصر والتعلم، وامامه الناس في ساعات المصير.

قسَّمنا انفجار المرفأ، من دون اي جهد طبعاً. وبالنسبة الى كثيرين، كان كأنه حدَثَ في الموزامبيق، الأرض المتخيلة التي بدل ان تصلها النيترات، تفجرت هنا في ميناء #الهجرة الازلية. لكن الانقسام المروع هو ما تلا الجريمة: أين يبدأ القانون، وكيف نفهم الدستور، وكيف تكون المسؤولية واحدة والمسؤول مختلفاً؟
إننا مذهولون مما يجري، بحيث لم نعد نعرف كيف نبني مشاعرنا، وليس فقط مواقفنا. فالبلد الذي لا يحال فيه احد، ولا يُتهم احد، ولا يحاكَم فيه احد، صار بغتة مثل محاكم نورمبرغ. عسكريون ومدنيون ورؤساء حكومات ووزراء ومديرون وسوّاقون.

بدل ان يطمئن الناس الى الظاهرة الجديدة، خافوا. ناموا على اصوات الجدل حول القضاء، وافاقوا عليه نازلاً الى ساحة الوغى، كما كان يصفها إبن شداد. لكن هل ينظر القضاء في كل الاتجاهات أم في جهة واحدة؟ وإذا ما فُتحت كل القضايا الحكومية فعلاً، أي محاكم تتسع وكم عدد القضاة المتوجب؟

“يجب ان تبدأ في مكان ما”. وهو قول يُنسب الى بسمارك وإلى فيتوريو دوسيكا، وإلى كل من يبدأ عملاً يبدو صعباً: من توحيد المانيا، إلى مغازلة صوفيا لورين. لكن البدء في العمل ليس سوى مجرد شرط بسيط. الشرط الجوهري هو المعرفة والخبرة، وقبل كل ذلك الموهبة، كما يقول تشرشل. فأنت لا تستطيع أن تنتج حجرة ماسية من صخر رملي مهما وضعته في الفرن. ونحن سلَّمنا اخطر ازمة في تاريخنا الى اناس بلا خبرات ومحدودي المعارف. واتخذنا موقفاً معيباً من شرط العلم والاختصاص، مفضلين عليه بلادة المحسوبية وسقم العصور الوسطى، فيما البلد على حافة جهنم بدوائرها التسع.

عَود الى عبقرية تشرشل الذي قال ان جنرالات المانيا كانوا يعرفون كل شيء عن بلادهم وشعبهم، لكنهم هُزموا لأنهم يجهلون كل شيء عن اعدائهم. والازمة عدوّتنا، لكن بدل ان نجند لها أفضل وأهم مَن عندنا من خبراء، تركناها لأساليب وجهاء المحلة. وبدل البحث عن حكومة من اجل لبنان، بحثنا عن ولاءات من حواضر البيت. ولم ينفع صراخ الناس واستغاثة الاحتضار. كأنما كل ما يجري عرضٌ مسرحي، أو شريط من بلد آخر، ليس لنا سوى ان نعلّق عليه. عرضٌ مسرحي لا يصدَّق في رعونته وما فيه من اهمال للمصير الكبير ومن فتور واستهتار وتخبط وتثاقل. آلام في هذا الحجم، وتجاوب على هذا المستوى من مألوفيات الزمان.

كل يوم هو دعوة الى الهجرة. كل يوم يزيد الكفر بالوطن. وكل يوم تمعن الدولة في امتهان نفسها والتخلي عن واجباتها وفروضها وإغراق الناس في متاهات الجدل الصغير، بينما التنين في الميناء يلفّ ذيله حول المدينة. عبثاً يقول لنا رجال مثل وزير خارجية فرنسا، إننا وضعنا بلادنا على طريق الزوال. عبثاً، كل شيء عبث.

لن تضاء اشجار كثيرة هذا الميلاد. إنهم يشترون بثمن الشجرة خبزاً. وليتنا لم نعترض على سدّ بسري. لكان لدينا الآن مليون شجرة للبيع بالقروش (سعر الصرف الحالي) ناهيك بما اقتُلع لإقامة السدود الصحراوية الجافة.

يريد اللبنانيون ان يعرفوا من حكامهم شيئاً واحداً: في سبيل مَن الاصرار على كل هذا الخراب؟ في سبيل مَن يرتعد اطفالهم ويدمع شيوخهم وتخاف امهاتهم من يوم لا يجدن فيه طعاماً لأطفالهن، فيما السياسيون يتضاربون بالفضائح ويتعايرون بالفشل وينصبون متاريس الانتحار الجماعي؟

اعتدنا ان نقدم لجنابكم كل عام، “شخصية العام”. لا يحتمل احد منكم هذا العام، وفاء هذا التقليد، ولا حتى بطاقات معايدة. فكيف نقول للناس الغارقين في المطامر والعتمة والديون واليأس والافلاس والجدال حول ربطة الخبز واعدامات كورونا وسَيَلان عملتهم والمُبشِّرين بجهنم – كيف نقول لهم اعاده الله عليكم بكل خير؟ تلك كانت سنة خسوف تُقرع لها طبول التنك وتودَّع بأقنعة الاشباح المفزعة لكي لا تتكرر.

خمسون شجرة حور تشكل غابة حور، لا غلال ولا ثمار. مائة حورة لا تعطي حبة عنب واحدة. تلك هي “غرفة العمل” التي تحدث عنها تشرشل، والتي يتولاها في الازمات الكبرى ولحظات المصير، اهل الفكر والأفق وعمالقة الترفع. ففي ساعة معيّنة تتعدى القضية بُعدها الوطني والقومي وحتى الإنساني، وتتحول المسألة اخلاقية.

وباقة ورد إليك في مثواك، #جبران تويني. نحن نعرف ان شهامتك لا تسمح لك بالندم وأنت تتأمل هذه الفلول. كم قلنا لك غداً يُعزف النشيد الوطني وهم متربعون.