مسلسل «الهيبة»: دراما تمجيد السلاح والحشيش والخروج عن القانون

راشد عيسى – القدس العربي

لا يمكن مشاهدة مسلسل «الهيبة» (السوري اللبناني) بمعزل عن معادله الواقعي، أي تلك الجزر البقاعية الحدودية مع سوريا، والخارجة عن سلطة الدولة والقانون، والقائمة على زراعة الحشيش وتجارة المخدرات التي تموّل ميليشيا «حزب الله» حسب تقارير دولية، كما تنهض برعاية تلك الميليشيا وحمايتها.
ليست المفاجأة في تصوير منطقة خارجة عن القانون، فهذا أمر واقع لا ينكر، المفاجأة في تمجيد وتسويغ الخروج عن القانون والدولة، فلا تخلو حلقة من التأكيد على أن جبل، وهذا اسم بطل العمل (يؤديه تيم حسن) له ثوابته الأخلاقية(!)؛ فهو لا يعمل بالمخدر (يكتفي فقط بتجارة الحشيش) ولا بالسلاح الثقيل، وحتى السلاح الخفيف يريد أن يعرف إلى أين يذهب، ولذلك لا يتعامل مع أسماء وهمية كأبي القعقاع وأبو محمد في تلميح إلى أنه لا يعمل لحساب جهات خارجية، كما يؤكد أنه ليس عصابة توظف مرتزقة، بل عائلة تحمي نفسها، وتذهب به أخلاقه الحميدة إلى حدّ التصدي لزوجته حين قررت أن تفتح سوبر ماركت في البلدة، فهو لا يريد أن يؤذي الدكاكين الصغيرة. وهو بالطبع لا ينكث وعداً، ولا يردّ ضيفاً أو دخيلاً، ولا يعتدي أو يسمح بالاعتداء على امرأة.. صورة أقرب إلى نبيّ منها إلى قاطع طريق.




مسلسل “الهيبة” ليس بريئاً، ولا يمكن أن يكون قد أنجز من دون تدخل وإشراف حزبيّ، رقابيّ على الأقل.

في المقابل، لا مشكلة، ولا حتى أي تشكيك في مشروعية تجارة الحشيش والسلاح والثأر والانتقام، وفي حق بلدة الهيبة في الخروج عن سلطة القانون والتحايل عليه، وفي تصوير جبل كبطل كليّ القدرة في إمكانه السيطرة على خصومه، فتبدو بيروت كلها، وحتى مطارها كأنها تحت تصرفه.
منتج العمل لبناني يعمل بين لبنان وسوريا، ولقد أثبتت أعمال أخرى أنه يعمل تحت سقف النظام الممانع في البلدين، والعمل نفسه يثبت أنه ليس بريئاً، ولا يمكن أن يكون أنجز من دون تدخل وإشراف حزبيّ، رقابيّ على الأقل. لذلك فإلى جانب تمجيد الخروج عن القانون وخلافه، هل سيكون بريئاً زجّ لهجة سورية وممثلين عن سوريا في أسرة لبنانية بحجة أن الأم (منى واصف) شامية، وبالتالي يحمل أولادها اسم «أولاد الشامية»؟ هل هي مجرد مصادفة أن يحمل البطل اسم «جبل شيخ الجبل» الاسم الذي يعرفه السوريون عن زعيم للشبيحة الأسديين في جبال الساحل؟ هل من المنطقي أن يتحدث ممثلون بلهجة سورية صافية هم الذين عاشوا حياتهم في الجرود اللبنانية!؟ أم أن ذلك تمثيلٌ للوصاية السورية، وبالتالي فإن الخروج عنها هو خيانة وغدر، كما حدث في الشق اللبناني من العائلة، أي شاهين الصديق اللصيق بجبل وكاتم أسراره، كيف غدر بابن عمه جبل، كما غدر أبوه من قبل! هل علينا أن نفاجأ بعد ذلك حين تأتي بعض تعليقات مشاهدين كما لو أنهم في مباراة لكرة القدم بين فريقين لبناني وسوري، سيسعد بعضهم لانتصار البطل السوري على نظيره اللبناني «الغدار»!

ثيمة «الغدر اللبناني» ليست جديدة في الأعمال السورية، هناك فيلم سينمائي مكرس في مديح الوصاية السورية وفي لوم الأشقاء الذين مدت لهم يد المساعدة، هو فيلم «مرة أخرى» لجود سعيد.

الخيانة ليست تفصيلاً، فقد شغلت جزءاً كبيراً من العمل، وبها انتهى الجزء الأول (والرأي هنا مبني على مشاهدة ثلاثين حلقة من الموسم الأول المتوفر على نتفليكس) عندما قتل شاهين الخائن عند قدمي أولاد الشامية.
وبالمناسبة؛ ثيمة «الغدر اللبناني» ليست جديدة في الأعمال السورية، هناك فيلم سينمائي مكرس في مديح الوصاية السورية وفي لوم الأشقاء الذين مدت لهم يد المساعدة، هو فيلم «مرة أخرى» لجود سعيد.

ثائر كامل الأوصاف

لا يغامر المخرج سامر برقاوي بأي انتقاد ظاهر أو مبطن لسلوك الطفّار، ما دام يقدّم بطلهم جبل أقرب إلى صورة الثائر كامل الأوصاف. وهذا ما يجعل منه ومن رفاقه صورة مشتهاة عند جمهور حالم بالسطوة والسلاح والخروج عن الدولة مع مكافآت عديدة من بينها سيارات أمريكية قوية ونساء فائقات الجمال وحشيش.
إنه لا يغامر حتى بتقديم صورة منطقية للمكان وديكوراته، إذ من المنطقي أن ترى خليطاً بين عدد كبير من الرموز والصور في بيوت حديثة النعمة، لكن لا وجود لذلك. بل يعمد المسلسل إلى تصوير المكان (بيت جبل على الأقل) كمكان أنيق، حنون، مشتهى.

ملكة في الجرود!

تبدو الممثلة منى واصف في «الهيبة» أقرب إلى ديكور منها إلى شخصية، فلا تحولات، ولا تمثيل تقريباً. تحاول عبر حضورها وحركتها ومختلف أدواتها وأغراضها أن تلعب دور الملكة، والعكّاز بيدها أقرب إلى صولجان، لكن لماذا؟ أما كان أنسب لها دور فضة المعدّاوي، الشخصية الشهيرة التي لعبتها سناء جميل في المسلسل المصري «الراية البيضا»؟ فمهما حاولت امرأة في تلك البيئة أن تتشبه بالملكات لا بدّ أن يفلت منها سلوك وطبع آخر طاغ، كان يمكن للتفكير بهذا الطريقة، لو شاؤوا، أن يغني العمل فنياً، كما يمكن له أن يغني حواراته.

أسوأ أدواره

لم أجد أداءً للممثل تيم حسن أسوأ مما هو عليه في «الهيبة». واضح أنه يعتمد على وسامة شخصية في جذب المتفرجين، لذلك فهو مسترخ تماماً، يستطيع مثلاً أن يسرد خطاباً مطولاً يتحدث فيه عن الصيد وأنواع طيور الموسم من دون أي ضرورة تذكر (وبالطبع فإن الكاتب والمخرج مسؤولان عن ذلك الشطط، وعن الكثير غيره، وما هذا سوى نموذج فاقع). لم يكن موفقاً في مشيته المخترعة، ولا في لوازمه اللفظية (يا له من تعديل سمج لعبارة «ما تهكله للهم» بإمكان تيم أن يجعل العبارة خاصة به بطريقة استخدامها ومكانها من دون تلك «الهاء» المفتعلة، هل ستفرق كثيراً إن قلت «ما تهكل هم»؟).
إنه مسترخ إلى حدّ يمكنه أن ينطلق في الغناء بصوت منفرّ، ليتلوه بمشهد يقوم فيه بدور الحلاق لأخيه، مشهد من دون أي معنى، تشعر معه أنه مرتَجَل وابن لحظته، وأن المخرج أسير الممثل النجم منصاع لما يريد. كذلك ما من كتابة تساعد البطل أو تضعه أمام تحد في التمثيل، فالشخصية ثابتة لا تتغير، لا صراع داخلياً يعصف بها، كما أنه مسيطر تماماً على ما هو خارجه، فمن أين ستأتي الدراما!

موديل

لا ندري ما كان سيحلّ بالمسلسل دون عارضة الأزياء وملكة جمال لبنان نادين نجيم، وقد بدا «الهيبة» منصة عرض لها كموديل. من دونها سيخسر العمل كثيراً من متابعيه. معها بالذات كانت هناك فرصة كبيرة لشخصية درامية حقيقية، فتلك السيدة القادمة من كندا، الرافضة بشكل طبيعي للخروج عن القانون، تجد نفسها مخطوفة مع ابنها من قبل جبل، ثم تكتشف أن زوجها السابق (شقيق جبل) قاتل، تضطر للعيش بين الطفّار من أجل استرجاع ابنها، ثم تقع في غرام خصمها وخاطف ابنها، من دون أن «يتلخبط» ماكياجها، من دون أن تتجعلك ثيابها، من دون أن تجد ملمحاً للعذاب على وجهها.

بدا مسلسل «الهيبة» منصة عرض لنادين نجيم كملكة جمال وموديل.

مفرقعات

تأسف حقاً للأجيال الشابة خصوصاً من المشاهدين، كيف يحدث أن عدداً هائلاً من الأعمال السينمائية التلفزيونية العالمية توفر مع فورة وسائط الميديا لم يعلّمهم أن هذا النوع من الأعمال المافيوزية المحلية هو الأكثر رداءة، ومضحك في عدم قدرته على إتقان مشاهد الآكشن والمطاردة والتفجيرات. انظر مثلاً تفجير السيارة الذي وقع في قلب حشد من سيارات موكب البطل (كل ما استطاع أن يفعله هو الإضرار بعيني شقيق البطل صخر (اويس مخللاتي). ويبدو أن المخرج أراد أن يوفره للعمل في الجزء المقبل من المسلسل).

أجندات

واضح أن العمل مكتوب في الأساس ليكون أجزاء عدة، أي أن الفكرة سيجري مطّها لا على ثلاثين حلقة فحسب، بل ثلاثين مضروبة في أربعة (بل يجري الحديث الآن عن جزء خامس) ولنا أن نتخيل كم ستتوالد قصص وشخصيات وسوالف صيد. من العبث حقاً أن يتتبّع المرء مصائر وتحولات ورموز ودلالات في مثل هذه التجارة، ولعل ما يستفز للكتابة عن المسلسل هو هذا التمجيد غير المسبوق تقريباً للتشبيح وتجارة السلاح والخروج عن الدولة والقانون.

كيف يجد كاتب طموح وواعد مثل هوزان عكو نفسه كاتباً منصاعاً لأجندات ميليشوية!

لكن كيف يجد كاتب طموح وواعد (كان واعداً) مثل هوزان عكو نفسه هكذا كاتباً منصاعاً لأجندات ميليشوية؟ كيف يقبل أن يكتب ما يفضي في النهاية إلى «استعراض ميليشوي» (والتعبير لصديق) دراما تخويف قد تكون الوجه الآخر للجريمة أو القمصان السود؟