//Put this in the section //Vbout Automation

مستقبل سوريا ومستقبل لبنان واحد أم… أعداء إلى الأبد؟

سركيس نعوم – النهار

تتساءل جهات سياسيّة لبنانيّة وعربيّة عدّة عن أسباب عودة الأمم المتّحدة إلى التحرّك في سوريا بُغية تذليل العقد والصعوبات التي حالت منذ سنوات دون تفاهم رئيسها بشّار الأسد والمُعارضة المتنوّعة والمُتناقضة في انتماءاتها الإقليميّة له على تسوية سياسيّة بينهما تُعيد النازحين من أبنائها داخل بلادهم واللاجئين منهم إلى ديار الغربة إلى مناطقهم وبلادهم.




تتساءل أيضاً إذا كان تحرّكه مدفوعاً أو بالأحرى بموافقة من الدولة الإقليميّة الكبرى المُتدخّلة مباشرة سياسيّاً وعسكريّاً في الحرب السورية، أي إيران الإسلاميّة وتركيا والأخرى المُكتفية بتدخُّل سياسيٍّ ضعيف بعد تاريخ حافل لها بدعم الثوّار السوريّين على تنوُّعهم بالمال والسلاح وبكل ما يحتاجون إليه، أو مدفوعاً من دول كبرى عالميّاً مثل روسيا مُنقذة الأسد ونظامه من الانهيار بعد تدخُّلها في بلاده سوريا، أو مثل الولايات المتحدة. علماً أنّ لا مجال للمقارنة بين تدخُّل كلٍّ منهما. فالأولى أرسلت جيشاً كبيراً وحاربت الثوّار المُعتدلين والمتطرّفين والإرهابيّين مُستعينة بجيش “حزب الله” الذي أسّسته بل بنته إيران منذ عام 1982، وبعددٍ من خبرائها العسكريّين وجنودها، وببقايا الجيش السوري، وانتصرت إذ بقي النظام حاكماً بأقلّويّته المعروفة. وتحوّلت لاحقاً صاحبة الكلمة الأولى في هذه البلاد بموافقة رئيسها. كان ذلك على حساب الدور والكلمة الإيرانيّين رغم أنّهما لا تزال لهما أهميّة لأسباب عدّة أبرزها الإختلاف بين موسكو وطهران على أمور عدّة منها مستقبل سوريا ودور روسيا فيها بعد انتهاء الحرب والنظام الجديد الذي يفترض أن يتأسّس فيها. طبعاً لا أجوبة واضحة وشافية حتّى الآن على الأقل عن هذه التساؤلات باستثناء اعتقاد البعض من الأقوياء في العالم والمنطقة أنّ البحث في نظام جديد للشرق الأوسط قد بدأت مرحلته. وهو يحتاج إلى دولة سورية جديدة مقبولة من شعبها ومكوّناتها ومحيطها كما من الدول المُتدخّلة فيها والمجتمع الدولي. لكن فشل المحاولة التي مضت عليها أسابيع لا ينفي دخول المرحلة المُشار إليها، بل يؤكِّد أنّ الحرب العسكريّة في سوريا انتهت باستثناء إدلب ومحيطها ومناطق أخرى مُجاورة للعراق وتركيا، وأنّ الدول المُتدخّلة فيها لم تتوصَّل بعد إلى تفاهمات تتعلّق بنظامها الجديد المقبول من مواطنيها المُقيمين والنازحين واللاجئين ومن محيطها الإقليمي الشقيق والصديق والعدو. وإسرائيل طبعاً هي واحد من الأعداء. في أي حال بدا واضحاً ومن زمان وجود اختلافات بين روسيا السوريّة وإيران السوريّة على الدور والمستقبل كما على استقرار المنطقة الذي سيبقى غائباً من دون تفاهم ما مع اسرائيل، رغم علاقة العمل الجيّدة وليس التحالف القائمة بينهما. وبدا واضحاً أيضاً وجود اختلافات بين الأسد وروسيا وأحياناً مع إيران. وبدا واضحاً أخيراً أنّ الهمّ الأوّل للأسد هو المحافظة على النظام، والهمّ الثاني الإعلامي على الأقل هو استعادة الجغرافيا السوريّة كلّها ولا سيّما التي منها تحت سيطرة تركيا أردوغان. الأوّل يُعزِّز تحقيقه أمران تسوية سياسيّة تُعطي غالبيّة الشعب السوري المُعارضة مكاسب أو إصلاحات شكليّة وغير جديّة وتُعيد تكريس سلطته وسيطرة عصبه الأقلّوي في النظام رغم تغييرات سطحيّة فيه، وإنتخابات رئاسيّة اقترب موعدها ولا شك أنّه سيفوز فيها ليس لأنّ الشعب السوري في بلاده والمنافي ودول اللجوء مُتمسّك به، بل لأنّ غالبيّته لن تستطيع أن تشارك في التصويت إلّا بعد تسوية سياسيّة يضمنها المجتمع الدولي ويؤمّن مشاركته فيها في أماكن وجوده ويستعمل لذلك مراقبين دوليّين كثيرين. أمّا الهمّ الثاني فلا تزال غامضةً إمكانيّة تحقيقه. إذ أنّ معلومات رصينة تُرجّح بقاء إدلب ومناطق أخرى خارجها تحت سيطرة تركيا وإدارتها مع استمرار سوريّتها، ومعلومات أخرى لا تقلّ رصانة تُفيد أن مصيرها سيكون الضمّ والإلحاق تماماً مثل مصير الاسكندرون الذي سمّاه السوريّون دائماً الإقليم السليب. علماً أنّهم ربّما تخلّوا عن ذلك منذ عقد أو أكثر.

طبعاً لا تُقصّر روسيا في تسريب معلومات أحياناً عن عدم رضاها على امتناع الأسد عن التجاوب معها في البحث عن نظام سوريٍّ جديد مقبول من مكوِّنات سوريا، وعن غياب أيّ دور له فيه أو عن اكتفائه بدور رمزي. لكنّها بعد تفاعل ذلك إعلاميّاً سوريّاً وعربيّاً ودوليّاً نفت روسيا التسريب أكثر من مرّة ووضعته في إطار اختلاف المواقف داخل الإدارة الروسيّة وكأنّها دولة ديموقراطيّة عريقة. وما سُرِّب أخيراً عِبر بعض وسائل التواصل الاجتماعي ولا سيّما نقلٌ حرفيّ لحديث بين الرئيسين بوتين والأسد يُظهر خلافهما وفوقيّة تعامل الأوّل مع الثاني لا أحد يمكن تأكيد صحّته. علماً أنّ هذا النوع من الإشارات تكاثر في السنوات القليلة الماضية.

لماذا يهمّ هذا الأمر اللبنانيّين؟

لأسباب كثيرة أوّلها أنّ سوريا اعتبرت لبنان دائماً جزءاً منها رغم اتفاق زعماء الاستقلال فيهما بعد قيام دولتيهما على قبول لبنان المستقل، وكان ذلك يوم كانت سوريا ديموقراطيّة وإن عالم ثالثيّة. لكنّها بعد تحوُّلها نظاماً وعقيدة مؤمنة بالوحدة العربيّة آمنت بأنّ لبنان جزءٌ منها. وبعد هزيمة 1967 أمام إسرائيل وانهيار الزعامة العربيّة شبه الشاملة للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر اعتبرت سوريا الأسد نفسها وريثة أولى له مُهمّتها الاستمرار في السعي إلى الوحدة. وبعد تطوُّرات عدّة في الداخل العربي كما مع إسرائيل صار الهمّ السوري الإمساك بلبنان وبمنظّمة التحرير الفلسطينيّة فيه لاستحقاق دور إقليمي واسع وقبل ذلك لاسترجاع جولانها المُحتل، وجعل لبنان حديقة خلفيّة لها وحده إذا تعذّر تنفيذ ذلك أيضاً مع الأردن. وهو تعذَّر سابقاً لحماية أميركا وبريطانيا له مباشرة واسرائيل على نحو غير مباشر، علماً أنّه تحوَّل بعد السلام بينهما عام 1994 مباشراً.

كيف ينظر اللبنانيّون أو بالأحرى شعوبهم المتناقضة والمُتعادية إلى العلاقة اللبنانيّة – السوريّة اليوم، علماً أنّها غير سويّة على الإطلاق؟ كيف يرى كلٌّ منها العلاقة التي يجب أن تقوم بين الدولتين الشقيقتين؟ هل سيُصبح لبنان دولة مستقلّة حامية لحدودها مع سوريا كما مع اسرائيل، هل سيتكبّد لبنان وسوريا خسارات جغرافيّة وفي أي اتجاه؟ هل ستُطالب سوريا باستعادة الأقضية الأربعة؟ هل سيقوم فيها نظام مركزي أو لا مركزي أو فيديرالي؟ ماذا سيكون تأثير ذلك على لبنان ونظامه؟