«حزب الله» بين المشروعية الشعبية والشرعية اللبنانية – د. توفيق هندي – الشرق الأوسط

لا شك أن «حزب الله» لا يزال يتمتع بمشروعية شعبية واسعة في الوسط الشيعي، لم يحصل عليها فقط من خلال السلاح والقدرات المالية التي تصل إليه من إيران، والانتشار الشيعي والأنشطة المحظورة دولياً والاقتصاد الموازي على حساب الدولة والمنافع المباشرة وغير المباشرة المتأتية من سطوته على الدولة بمؤسساتها كافة، إنما أيضاً (وخاصة) من خلال مشروعه الآيديولوجي الحسيني الكربلائي المتأصل تاريخياً بالضمير الشيعي، الذي يقضي بالخروج من ممارسة التقية والكتمان إلى الدعوة إلى الجهاد المقدس عندما تسمح بذلك الظروف وموازين القوى، بهدف نشر الإسلام الشيعي (والمعتمد عند «حزب الله»، هو وفقاً لاجتهاد «ولاية الفقيه» للخميني، الذي يحدد طبيعة السلطة التي يجب أن يتبعها الشيعة في فترة الغيبة الكبرى للإمام المنتظر) في أنحاء المعمورة كافة.

وتعززت مشروعيته الشيعية في بداية التسعينات، عندما وضع المجتمع الدولي والعربي كما إسرائيل، لبنان تحت وصاية سوريا – الأسد، فحسم حافظ الأسد حينذاك التناقض «حزب الله» – «أمل» لصالح «حزب الله» انعكاساً للحلف الاستراتيجي الذي كان يربط سوريا – الأسد بالجمهورية الإسلامية في إيران منذ نشأتها؛ فأهدى الأسد حصرية «المقاومة» إلى «حزب الله» على حساب «أمل»، وأحزاب الحركة الوطنية المنتهية الصلاحية. فأصبحت مقاومة العدو الإسرائيلي مرادفة لـ«حزب الله»، مما جعل الشيعة عموماً ينظرون إليه كمخلص وحامٍ لهم ويعتزون به أيضاً، لأنه رفع من شأنهم في التركيبة اللبنانية.




أما شرعيته اللبنانية، فقد حصل عليها بحكم الأمر الواقع من خلال الإخضاع التدريجي لمكونات الطبقة السياسية من أتباع وحلفاء الأمر الواقع والشركاء المشاكسين. فبات اليوم يتحكم في الدولة اللبنانية بمؤسساتها كافة بعد انتخاب الرئيس ميشال عون وانتخابات 2018، التي جرت وفق قانون وفر له الأغلبية البرلمانية.

أما سطوته على الطبقة السياسية المارقة، فهي قائمة على القاعدة التالية: لـ«حزب الله» حرية التصرف بلبنان كمنصة انطلاق لـ«مشروعه الإسلامي» في المنطقة والعالم (علماً بأن علاقته عضوية بإيران، وهو عملياً المكون الرئيسي والقائد الفعلي لـ«فيلق القدس» المسؤول عن تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية) مقابل فتات السلطة للطبقة السياسية وإدارة تناقضاتها وحماية فسادها.

ولطالما سمعنا أطراف هذه الطبقة تتحدث عن أن «حزب الله» هو من النسيج اللبناني ولا يمكن تجاهل هذا الواقع، وأن له تمثيله في البرلمان والحكومة، دفاعاً عنه بوجه خصومه وأعدائه الدوليين والعرب. كما نسمع من البعض من وقت إلى آخر دعوات بلهاء إلى لبننته. والحقيقة هي أن لبنان «تحزبل» بدلاً من أن يتلبنن «حزب الله».
ولكن ما حقيقة شرعيته اللبنانية؟

1- لم يقدم «حزب الله» علماً وخبراً لوزارة الداخلية، وهو بالتالي ليس حزباً شرعياً بمفهوم الدولة اللبنانية.

2- من نافل القول إنه في أي دولة مكتملة المواصفات من غير الجائز أن توجد قوة عسكرية خارج الجيش وقواها الأمنية، كما أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً في يد سلطاتها الشرعية، فما أدراك إذا كانت القوات العسكرية والأمنية لـ«حزب الله» تتفوق على القوات المسلحة للدولة اللبنانية، وتجعلها تخضع لقرارها في المواقع والوحدات والمستويات كافة.

3- وبما أن الوصاية السورية ترك لها تنفيذ «اتفاق الطائف»، حرفت محتواه، ولا سيما بند حل الميليشيات؛ فاستثنت ميليشيا «حزب الله» من الحل بتوصيفها مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، في حين أن بند «تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي» في هذا الاتفاق الذي يهدف أولاً وأخيراً إلى إقامة الدولة اللبنانية التي دمرتها الحروب المتداخلة منذ 1975، خالٍ من أي ذكر لقوى مقاومة خارج إطار الدولة، كما أن التحرير منوط حصراً بالدولة اللبنانية التي «تبسط سيادتها»، كما يؤكد هذا البند «التمسك باتفاقية الهدنة الموقعة في 23 مارس (آذار) 1949» ولا يذهب إلى حد جعل لبنان رأس رمح «مقاومة إسلامية» تهدف إلى «تحرير كامل تراب فلسطين».

4- إن البيان التأسيسي لـ«حزب الله»، بتاريخ 16 فبراير (شباط) 1985، والوثيقة السياسية بتاريخ 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، لا يختلفان بالجوهر. وهاتان الوثيقتان تفوقان أهمية المواقف التكتيكية والظرفية التي يتخذها «حزب الله»، والتي يحاول فيها مراعاة موازين القوى والمكونات اللبنانية مؤقتاً، لأنهما تحددان ماهيته ومشروعه الاستراتيجي وهدفه النهائي.

فمشروعه هو إسلامي عالمي (بنسخة «ولاية الفقيه») وليس لبنانياً. ووسيلته الرئيسية هي الجهاد المسلح تحت اسم «المقاومة الإسلامية».

علاقته عضوية بالجمهورية الإسلامية في إيران، وهو المكون الرئيسي لـ«فيلق القدس» المسؤول عن تصدير الثورة الإيرانية إلى المنطقة والعالم، في إطار «الحرس الثوري». فمهما قيل حاضراً للبنانيين، فإن هدف «حزب الله» النهائي بالنسبة للبنان هو تحويله إلى دولة إسلامية جزء من الدولة الأم: الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ليس من الصعب أن نلاحظ أن «حزب الله» هو على طرف النقيض الكامل لنظام الحكم في لبنان، والدستور اللبناني؛ فهو يناقض مقدمة الدستور اللبناني بمندرجاته كافة.

فلبنان بالنسبة له ليس وطناً حراً مستقلاً ونهائياً لجميع أبنائه وواحداً أرضاً وشعباً ومؤسساتٍ في حدوده المنصوص عليها في الدستور والمعترف بها دولياً.

كما ليس لبنان عربي الهوية والانتماء وملتزماً بمواثيق جامعة الدول العربية ومواثيق الأمم المتحدة. والحقيقة أن الشعب اللبناني ثار وأعرب عن سخطه على الطبقة السياسية المارقة وعلى رفضه للاحتلال المبطّن، وأعطى كل ما يمكنه أن يعطيه، والحقيقة أيضاً أن لبنان الكيان والدولة على طريق الزوال المحتوم إذا لم يتنبه المجتمع الدولي إلى أن زواله يشكل قنبلة موقوتة على أمن واستقرار المنطقة، وعلى مصالح الدول المعنية.