من ورّط دياب في السياسة… والمحقّق العدلي؟

سركيس نعوم – النهار

يوم اختار الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي الدكتور #حسّان دياب وزيراً في حكومته التي شكّل بعد الانقلاب الداخلي الإقليمي على حكومة الرئيس سعد الحريري وهو في مكتب الرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض سأل لبنانيون عاديون كثيرون عن كفاءاته وثقافته ومجال عمله، وتساءلوا إذا كانت له انتماءات سياسية أو علاقات سياسية بأهل الحل والربط أي بأصحاب الكلمة الأولى والأخيرة في شؤون لبنان المتنوّعة. الأجوبة التي حصلوا عليها اقتصرت على أنه خرّيج الجامعة الأميركية في بيروت وأستاذ فيها. تولّى يومها وزارة التربية ولم يحقّق فيها العجائب لأن الزمن في حينه لم يكن زمنها ولا يزال كذلك. لكنه بقي الى حد كبير “ململماً” كما يُقال في العامية الأمر الذي لم يثر حشرية أحد للتعمّق في البحث عن خلفياته المتنوّعة. لكن كاتب “الموقف هذا النهار”، الذي أقام معه علاقة مهنية وسطحية، وأجرى معه لقاءات تعدّ على أصابع اليد الواحدة أو ربما الاثنتين، انتبه من الأحاديث التي كانت تجري بينهما أن لديه طموحاً سياسياً كبيراً. لكن خروجه من الحكومة بعد استقالتها أخرجه من الحقل السياسي المباشر على الأقل. فعاد الى عمله الأكاديمي في الجامعة نفسها في بيروت ولاحقاً في إحدى دول الخليج العربية. ونسيه الجميع الى أن فاجأهم بحصوله على تكليف رئيس الجمهورية ميشال عون تأليف الحكومة بعد استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري في “عزّ ثورة 17 تشرين”، وعجز صاحب الكلمة الأولى في البلاد أي “حزب الله” عن إقناعه كما عن إقناع عون بالعودة على رأس حكومة جديدة تتبنى تنفيذ الإصلاحات التي وعد بها قبل استقالته. بعد البحث والتقصّي والتدقيق تبيّن أن دياب نسج منذ توزيره الأول علاقات جدّية بعيدة من الأضواء مع شخصيات وجهات سياسية تنتمي الى “الغالبية النيابية” التي أتت به الى السراي الحكومية. عنى ذلك لكثيرين أمراً من إثنين: الأول أن همّه هو الحصول على الموقع بغضّ النظر عن السياسة التي سيكون عليه اتباعها في الحكومة، وهي سياسة 8 آذار محلياً وإقليمياً. الثاني اقتناعه بقدرته فور ممارسته العمل الحكومي من موقع رئاسي على التعبير عن اقتناعاته التي تختلف عن اقتناعات من أوصلوه إليه، وعلى تنفيذ عدد من المطالب التي رفعتها “الشعوب” الثائرة منذ 17 تشرين. في أي حال تبيّن في أثناء حكومته المصرّفة للأعمال حالياً جرّاء استقالتها قبل مدة أنه عجز بسبب الاختلافات داخل الغالبية النيابية التي أدخلته السياسة عن تحقيق أي إنجاز يهم الناس وكذلك بسبب الصراع الذي ربما في داخله بين حقيقته غير السيّئة و”الحقيقة السيّئة” للفريق الذي يسانده كما للأفرقاء الذين يعارضون الإثنين. لهذا السبب ارتبك واتخذ قرارات مرتجلة ووعد بما لم يحقّق، ثم كانت غلطة عمره وهي إعلانه قرار إجراء انتخابات نيابية مبكرة. فقامت قيامة مجلس النواب برئيسه والأعضاء واضطُر الى الاستقالة.




لماذا الكلام عن دياب بشيء من الإسهاب الآن؟ لأنه في وضع لا يُحسد عليه فهو مستقيل ومصرّف للأعمال من جهة. وهو مدّعى عليه من المحقّق العدلي فادي صوان في جريمة انفجار مرفأ بيروت أو تفجيره. علماً أنه وكما قال وزير الداخلية في حكومته “ليس في القصر إلا من مبارح العصر”. يعني ذلك أنه ليس مطلعاً على حلف “البضاعة” التدميرية التي وصلت الى لبنان عام 2014 أو 2013، وخزّنت في المرفأ قبل انفجارها، إلا بمدة قصيرة بواسطة كتاب خطّي يحذّر من خطورتها ويدعو الى معالجة هذا الأمر. كما يعني أنه آخر واحد يمكن أن يُسأل عن هذا الأمر، إذ أن هناك صفاً من رؤساء جمهورية وحكومات ووزراء وعسكريين وأمنيين وموظفين مدنيين كبار اطلعوا على هذا الملف وأهملوه، وتصرّف معظمهم معه بطريقة تدلّ على رغبة في رفع المسؤولية عن الذات ورميها على الآخرين، وفي عدم العمل لتلافي مجزرة أنهت مرفأ بيروت وأوقعت ألوفاً بين قتيل وجريح. في هذا المجال لا بد من الإشارة الى أن “القضاء” يُسأل ربما مثل هؤلاء أو أكثر منهم عن هذه القضية بسبب المراجعات الكثيرة التي تلقّاها في شأنها لكنه لم يُحرّك ساكناً. وهو أي دياب رئيس حكومة يمثّل الطائفة السنّية في دولة الشعوب الطائفية والمذهبية لا دولة المواطنة. و”الصلبطة” عليه بالإدعاء هو الذي لا ناقة له ولا جمل، جعلته من دون أن يتعمّد ذلك رأس حربة السنّة في الدفاع عن موقعهم الدستوري وفي الوقوف في وجه من يحاول السيطرة عليه. وهو قد لا يكون مؤهلاً لذلك، لكنه لا يستطيع عدم التضامن مع أبناء طائفته بعدما أتى زعيمهم السياسي سعد الحريري إليه في السرايا متضامناً معه، كما بعدما أعلن مفتي الجمهورية موقفاً رسمياً تضامنياً معه أيضاً.

من الذي أوقع اللبنانيين في هذا المأزق؟ لا بد من القول أن دافعي المدعي العام العدلي الى الادعاء المبتور غير الكامل الذي استفزّ السنّة هم حلقة أعضاؤها قضاة أحدهم سابق ينتمون الى جهة عليا طالبت بالإصلاح… من زمان لكنها لم تفعل شيئاً لتنفيذه. هل تحرّكوا من تلقاء أنفسهم أم بسماح من مرجعيتهم وأيضاً من حليفهم الأول وحاميهم في البلاد؟ المعلومات المتوافرة تفيد أن هذا الحليف وهو “حزب الله” تدخّل مؤنباً ومحذراً ومشيراً الى الخطأ الذي ارتكبه هؤلاء ومن يقف وراءهم. أدرك هؤلاء متأخرين، إذا أدركوا، أن الحليف الأول لـ”الحزب” هو “حركة أمل” وتحديداً زعيمها نبيه بري إذ من دونه تغرق الطائفة الشيعية في بحور من العداء وتخسر كلها مستقبلاً واعداً تعدّه من زمان وتكاد أن تصل إليه. وأدركوا أيضاً، إذا أدركوا، أن الجهة الثانية التي يسعى “الحزب” دائماً الى مراعاتها وإن من دون تقويتها هي الطائفة السنّية وذلك حرصاً منه على تلافي الاصطدام والاشتباك الأهلي. وأدركوا أخيراً أن الجهة التي تقف وراءهم “بشيبها أو شبابها” هي تحالفياً مع “الحزب” في المرتبة الثالثة رغم أنها كانت سابقاً الأولى. لكن أخطاء شبابها ومونتهم على شيبها أربك الجميع.

لا يعرف “الموقف هذا النهار” ماذا ينوي الرئيس دياب أن يفعل؟ لكن الذين عارضوه من الناس لأنه خذلهم وجلّهم مع التغيير ومن دعاة بناء دولة جدّية ولاء مواطنيها لها فقط يتمنون أن يبتعد عن السياسة ويعود الى سيرته الأكاديمية، إذ أن زمن دولة المواطنة في لبنان لا يزال بعيداً وكذلك زمن الاستقرار والعدالة والمساواة والحرية والديموقراطية و…