صوّان يوقع تشكيلة الحريري في الفخّ

قاسم يوسف – أساس ميديا

لم أكن لأصدّق أن سعد الحريري قد يجرؤ على تقديم حكومة أمر واقع إلى رئيس الجمهورية، وذلك لاعتبارات كثيرة، داخلية وخارجية وشخصية، لكنه فعلها، وخيراً فعل.




بشكل عام، أظهرت التسريبات الشحيحة التي تناولت بعض جوانب التشكيلة وأسمائها، أنها تتمتع بحد جدّي ومقبول من التوازن الممكن والمتاح، ومن الانسجام العام مع بنود المبادرة الفرنسية وروحيتها. وإذا كان من المعروف أنّ هذه التشكيلة لن تمرّ ولن تحظى قطعًا بموافقة الرئيس، فمن الواضح أيضًا أنّها ستضع النقاط على الحروف، وستحمل ميشال عون نحو مواجهات مباشرة، مع فرنسا ورئيسها بالدرجة الأولى، كونه المسؤول المباشر عن إجهاض مساعيها بتشكيل الحكومة، ومع الناس بالدرجة الثانية، الذين باتوا يعانون من أسوأ أزمة اقتصادية ومعيشية واجتماعية يشهدها لبنان منذ ولادته.

وبالتالي، فإنّ التشكيلة التي قدّمها الرئيس المكلف، مناورة دستورية من الدرجة الأولى. لكنّها ضرورية وملحة لرمي الكرة في ملعب ميشال عون، ولوضعه أمام مسؤولياته الدستورية المباشرة، إما في توقيعها وتحويلها إلى مجلس النواب، وإما في رفضها وردها لصاحبها.

أظهرت التسريبات الشحيحة التي تناولت بعض جوانب التشكيلة وأسمائها، أنها تتمتع بحد جدّي ومقبول من التوازن الممكن والمتاح، ومن الانسجام العام مع بنود المبادرة الفرنسية وروحيتها

ما فعله ميشال عون كان الخيار الذي لا يليق برجل دولة ولا برئيس جمهورية أقسم على تطبيق الدستور وحمايته، وهو بدل أن يتسلّم التشكيلة المقترحة ليُخضعها لنقاش معمّق يُحدد على أساسه موقفه من قبولها أو رفضها، سارع إلى مطالبة الرئيس المكلف بالتنسيق مع القوى السياسية المعنية، وعلى رأسهم طبعًا صهره جبران باسيل، ثم قدّم له ما يشبه التشكيلة المضادة، في واحدة من أعجب الارهاصات السياسية والدستورية التي شهدتها البلاد على الإطلاق، حيث أن ردة فعله لا تنطوي على تدبير مسبق، وعلى إنتهاك موصوف للصلاحيات والدستور وحسب، بل تتعداهم إلى ما يشبه الصلافة والصفاقة، بل و”لعب الأولاد”، على حد توصيف الزميل حسين أيوب في مقالة صارخة ومعبّرة.

لكن بعيدًا من كل هذه الشكليات، رغم أهميتها وفجاجتها، ثمة ثابت واضح ومؤكد، وهو أن سعد الحريري سجل بخطوته تلك هدفًا في مرمى ميشال عون، وكان لا بد أن ينتظر جوابًا رسميًا يندرج حصرًا في خانة القبول أو الرفض، فإن قبلها، وهذا مستحيل، انتقل إلى الخطوة الثانية، وهي تأمين ثقة مجلس النواب، وإن رفضها، ذهب إلى تحميل رئيس الجمهورية مسؤولية إجهاض حكومة تتلاقى مع تتطلعات اللبنانيين، وتستجيب لرغباب المجتمع الدولي والوسيط الفرنسي.

في لحظات الانتظار تلك، أطل القاضي فادي صوان بعد سبات عميق، ليفجر قنبلة دخانية في وجه الجميع، وليضع سعد الحريري، ومعه رؤساء الحكومات، أمام فخ مُحكم، حيث انتقل النقاش فورًا من مشهدية رئيس مُكلّف مارس صلاحياته الدستورية بتقديم تشكيلة حكومية إلى رئيس الجمهورية المُحرج والمرتبك، وتحولت الأنظار إلى معركة تتخذ طابعًا طائفيًا ومذهبيًا تحت عنوان حماية موقع رئاسة الحكومة، لا سيما في ظل حراكٍ مكثف ومبالغ فيه، إن لجهة الزيارة المفاجئة التي قام بها سعد الحريري إلى السراي ولقائه حسان دياب، أو لجهة المواقف والاتصالات التي لامست أعلى المستويات، من المفتي عبد اللطيف دريان، مرورًا برؤساء الحكومات، وصولاً إلى مجموعة كبيرة ووازنة من الفعاليات السياسية والشعبية.

بعيدًا من كل هذه الشكليات، رغم أهميتها وفجاجتها، ثمة ثابت واضح ومؤكد، وهو أن سعد الحريري سجل بخطوته تلك هدفًا في مرمى ميشال عون، وكان لا بد أن ينتظر جوابًا رسميًا يندرج حصرًا في خانة القبول أو الرفض

هذا السلوك السياسي فيه الكثير من التسرّع لأسباب عدّة أهمها:

أولاً: لأنّه استجابة عمياء لفخّ نُصب بعناية بهدف حرف النقاش وقلب الطاولة.

وثانيًا: لأنّه أعاد تعويم حسان دياب ومنحه ما يشبه الانتصار بعد عزلة مستدامة.

وثالثًا، وهذا الأهم: الانجرار خلف رغبة جبران باسيل بتوتير الأوضاع وشد العصب الطائفي والمذهبي، للقول، بشكل مباشر وموارب، إلى الداخل وإلى الخارج، إنّ رئيس الحكومة المكلف، ومعه المفتي ورؤساء الحكومات وأهل الحلّ والعقد، جنّ جنونهم على خلفية قرار قضائي يتعلق بمجرد الاستماع إلى رئيس الحكومة حول الانفجار الهائل الذي دمر بيروت ومرفأها.

كان الأجدى أن يتريّث المندفعون. أن يفكروا بعقل بارد. وأن يتعاملوا بحكمة وهدوء منقطع النظير إزاء استفزاز موصوف وفخ واضح. فيلجأون حصرًا إلى الدستور والقانون، عبر معرفة الأساسات التي استند إليها القاضي في طلب الاستماع، وحينذاك يُبنى على الشيء مقتضاه، فإن كان يستند إلى معرفة رئيس الحكومة بوجود شحنة النيترات، فحاله في ذلك حال رئيس الجمهورية المتجاوز لكل الصلاحيات، وما ينطبق عليه ينطبق على عون، ولا أحد فوق القانون، ولا خيمة فوق رأس أحد. أما إن كان يستند إلى معطيات حقيقية أو أدلّة صلبة، فلتدرس بعناية، وليخضع على اساسها رئيس الحكومة وغيره للاستجواب أو التحقيق، فمفهوم الدولة هو كلٌ لا يتجزأ، وعلى أولئك الذين يحملون لوائه أن يتعاطوا معه بمنتهى الحرص وفائق العناية والذكاء.

هي عاصفة بلا أفق. وأزعم أنّ خسائرها أكبر بكثير من فوائدها. البوصلة هي في بعبدا. في التشكيلة الحكومية التي قدمها الرئيس المكلف. هناك أصل الحدث وأساسه وصلبه. وهناك لا بد أن يحضر المندفعون بقدهم وقديدهم، وأن يتحضّروا لصولات وجولات من حكّ الركاب، التي قد تبدأ بالمقارعة الدستورية والتصويب الإعلامي، ولا تنتهي بالمواجهة السياسية والتعبئة الشعبية، وليكن صوتكم وقتذاك هائلاً ومدويًا.