رفع الدعم عن المحروقات يضرب الطبقات الهشة في لبنان

ينذر تلميح الحكومة اللبنانية برفع الدعم عن المحروقات تحت وطأة الأزمة الاقتصادية لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه وإيقاف نزيف الخزانة العامة، بشتاء عاصف وغاضب في بلد لا يزال يتجرع مرارة الألم والمواجع نتيجة انهيار الاقتصاد وتآكل احتياطات النقد الأجنبي الضرورية للاستيراد.

والإثنين، عقد رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، اجتماعا ضم وزراء وحاكم مصرف (البنك المركزي) لبنان رياض سلامة، بحث رفع الدعم عن السلع الأساسية.




ويتداول على نطاق واسع اتجاه الحكومة لرفع الدعم عن المحروقات، ومن بينها مادة المازوت، التي يستخدمها الآلاف من اللبنانيين في تدفئة المنازل خلال أشهر البرد والصقيع.

ويتزامن ذلك مع اندلاع احتجاجات شعبية حاشدة في العاصمة بيروت ضد رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية والمحروقات، ليبشر بشتاء ساخن في بلد ما زال لم يفق من صدمة انفجار مرفأ بيروت.

ويواجه لبنان تراجعا متسارعا في احتياطي النقد الأجنبي منذ أكتوبر 2019، مع تزايد حاجة البلاد إلى النقد الأجنبي وتراجع وفرته محليا، وسط هبوط حاد في سعر صرف الليرة.

وتوقع الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين، في حال رفع الدعم عن المحروقات ارتفاع سعر عبوة المازوت 20 لترا من 16 ألف ليرة (11 دولارا) إلى 65 ألف ليرة (43 دولارا).

ونسبت الأناضول لفؤاد بلوق، رئيس بلدية بعلبك، قوله إن “نحو 95 في المئة من سكان المدينة البالغ عددهم نحو 330 ألف لبناني، إضافة إلى الآلاف من اللاجئين السوريين، يعتمدون في فصل الشتاء على مادة المازوت للتدفئة في المنازل”.

وحذر بلوق، من وقوع كارثة إنسانية حال رفع الدعم عن المحروقات، مؤكدا أن موسم الصقيع الممتد من سبتمبر إلى مارس قد يؤدي إلى وفيات إذا عجز السكان عن توفيره لأغراض التدفئة.

وحال مدينة بعلبك في فصل الشتاء يتطابق مع محافظتي البقاع وعكار الواقعتين في شمالي لبنان واللتين يعيش فيهما عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين.

ويوجد في لبنان حوالي 1.5 مليون لاجئ سوري، 74 في المئة منهم يقيمون بطريقة غير شرعية، بحسب تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية عام 2018.

وأشار النائب عن الحزب الاشتراكي هادي أبوالحسن، إلى “ضرورة أن يتم ترشيد دعم المحروقات، لضمان وصوله إلى مستحقيه وعدم استنزاف خزينة الدولة لصالح الشركات والمهربين”.

واقترح أبوالحسن، أن “يتم منح بطاقات تموينية أو قسائم شرائية لمحدودي الدخل تمكنهم من شراء السلع والمحروقات بسعر مدعم، إلى جانب استثناء أصحاب المولدات وسيارات النقل العمومي والمواطنين الذين يستخدمون المازوت في التدفئة”.

فيما دعا ممثل الشركات الموزعة للمحروقات في لبنان فادي أبوشقرا، إلى عدم رفع الدعم الحكومي عن المحروقات، نظرا لتدني معدل الأجور وتدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

وأضاف أبوشقرا، “الحد الأدنى للأجور يبلغ 675 ألف ليرة (حوالي 445 دولارا) لا يمكن تسعير عبوة المازوت بأكثر من 16 ألف ليرة (حوالي 11 دولارا). هذا ينذر بكارثة اجتماعية وإنسانية في لبنان”.

من جانبه قال الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، إن “احتياطي المصرف المركزي القابل للاستخدام يبلغ نحو 850 مليون دولار وهو يكفي بالكاد حتى نهاية ديسمبر الجاري”. وتابع عجاقة، “توقف المصرف المركزي عن تأمين الدولار على سعر الصرف الرسمي للمستوردين، يعني تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي”.

ومنذ تسعينات القرن الماضي، ربطت الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي بمعدل 1507 ليرات مقابل الدولار، لكنها فقدت نحو 70 في المئة من قيمتها منذ أكتوبر 2019، ما أدخل البلد في أسوأ أزمة اقتصادية يشهدها منذ عقود.

ويعيش لبنان أسوأ أزماته منذ الحرب الأهلية بين 1975 و1990، مع تكالب الأزمات السياسية والاقتصادية، خلال العام الأخير، كما أن تسارع الأحداث يشير إلى مرحلة تراجع جديدة في مؤشرات الاقتصادين الكلي والجزئي.

وخلال الأشهر الماضية، تتابعت اللكمات على اقتصاد لبنان بدءا من الاضطرابات السياسية، وفشل سداد الديون الأجنبية، وانهيار العملة وارتفاعات قياسية للتضخم، إلى فشل الاتفاق على قرض من صندوق النقد الدولي، بجانب تداعيات فايروس كورونا التي زادت الأوضاع سوءا.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع عبرت رابطة المودعين في بيان، عن رفضها لرفع الدعم والمساس بأموال المودعين، قائلة إن “المنظومة المالية السياسية الحاكمة تريد وضعنا أمام خيارين إما رفع الدعم وما يخلفه من جوع وحاجة ونقص دواء، وإما الدعم مما تبقى من احتياطات أموال المودعين”.

ورفضت الرابطة المس باحتياطات أموال المودعين بشكل قطعي، كما رفضت وضع الناس أمام مصير مجهول واللعب على رغيفهم، مشيرة إلى أن الحلول كانت واضحة منذ البداية، وطرحتها رابطة المودعين مرارا.

وطالبت الرابطة بإلزام المصارف إعادة رسملة ذاتها وفك القيود عن أموال المودعين وتحميل الخسارة إلى المصارف ومن يملكها وكل من استفاد من هندسات الحاكم المالية والفوائد الخيالية من كبار المودعين وأصحاب النفوذ والسياسيين.

كما دعت إلى تدقيق جنائي واستعادة الأموال المنهوبة. ومحاكمة الفاسدين وضبط التهريب ودعم الاقتصاد الإنتاجي عوضا عن دعم الاستيراد إلا للمواد التي لا يمكن تصنيعها في لبنان.