//Put this in the section //Vbout Automation

القصة السياسية الكاملة لـ«حكومة الحريري الافتراضية»

وصل الرئيس المكلف سعد الحريري الى قصر بعبدا مساء أمس حاملا مغلفين: الأول ضم تشكيلة حكومية من 18 وزيرا، والثاني احتوى السير الذاتية لمجموعة الوزراء الذين سماهم، وتبرز حجم الكفاءة العلمية والمهنية.. استمع الرئيس ميشال عون باهتمام الى الشروحات التي قدمها الحريري لكل حقيبة ولمواصفات الاسم المرافق لها، وجرى تبادل أسئلة وتوضيحات حول العديد منها، قبل أن يقدم عون ملاحظاته على عملية توزيع الحقائب، واعدا بدرس هذه التشكيلة وإعطاء الجواب في شأنها. كتم عون امتعاضه بسبب إخلال الحريري بتفاهم كان جرى التوصل إليه يوم الاثنين الماضي بأن يكون اللقاء التالي (أمس) لوضع طرح متكامل، وانطلاقا من طرح أول كان قدمه الحريري بشأن توزيع الحقائب على الطوائف والمذاهب، ومن ثم الاتفاق على الأسماء.. ولكن ما حصل أن الحريري حمل معه تشكيلة كاملة بالحقائب والأسماء، وكان جواب عون الأولي عليها أن لديه أيضا تصوّر حكومي.. وبعد اللقاء خرج الحريري موحيا بأجواء إيجابية، قائلا إن «عون وعدني بأنه سيدرس التشكيلة وسنعود ونلتقي».. وبعد نحو ساعتين صدر بيان رسمي عن رئاسة الجمهورية ورد فيه أن الرئيس عون قدم للرئيس المكلف طرحا متكاملا يتضمن توزيعا للحقائب على أساس مبادئ واضحة، واتفق رئيس الجمهورية والرئيس المكلف على دراسة الاقتراحات المقدمة ومتابعة التشاور لمعالجة الفروق بين هذه الطروحات.

كانت هذه الإشارة الى وجود طرحين وفوارق كافية للاستنتاج أن «الجو سلبي» والمشكلة لم تُحل.. مثلما كان كافيا الاستنتاج بأن دخول الحريري الى اللقاء مع عون وفي يده التشكيلة الحكومة وخروجه من قصر بعبدا من دون إصدار مراسيم التأليف، يعني أن الخلاف مستحكم.. لم يسبق أن حصل ذلك، ودرجت العادة أن الرئيس المكلف لا يحمل معه الى قصر بعبدا تشكيلة نهائية مكتملة إلا التشكيلة المتفق عليها مسبقا.. وحول ما جرى، في الوقائع والتفاعلات، نورد هذه التفاصيل والنقاط:




1 ـ التشكيلة التي قدمها الحريري من 18 وزيرا مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، جاءت على الشكل التالي:

٭ من حيث التوزيع السياسي ثلاثة تكتلات متساوية: 6 وزراء لرئيس الجمهورية + التيار الوطني الحر ـ 6 وزراء لرئيس الحكومة + المستقبل وميقاتي وجنبلاط ـ 6 وزراء للثنائي الشيعي + «المردة» والقومي.

٭ من حيث التوزيع الطائفي: 4 وزارات للسنّة أبرزها الصحة والاتصالات ـ 4 وزارات للشيعة أبرزها المال والأشغال ـ وزارة للدروز هي الخارجية (الوزير الدرزي يعُطى أيضا حقيبة الزراعة) 4 وزارات للموارنة أبرزها الدفاع والعدل والطاقة ـ 3 وزارات للأرثوذكس أبرزها الداخلية ـ وزارة للكاثوليك بين التربية والصناعة.

ومن الأسماء التي عُرفت في تشكيلة الحريري: نقولا الهبر للداخلية، جو الصدّي للطاقة، يوسف خليل للمالية، لين طحيني للثقافة.

2 ـ الرئيس عون رافض لهذه التشكيلة لثلاثة أسباب: السبب الأول مبدئي ويتعلق بدور رئيس الجمهورية في تشكيل الحكومة التي «يشكلها الرئيس المكلف بالاتفاق مع رئيس الجمهورية». وبالتالي، فإن عون يعتبر أنه شريك في التأليف وليس في موقع المتلقي لحكومة «شكلها الرئيس المكلف ووزع حقائبها وسمّى وزراءها، وبالتالي فإن دوره لا يقتصر على قبول أو رفض التشكيلة التي يقدمها الرئيس المكلف. السبب الآخر سياسي له علاقة بالمعادلة السياسية والطائفية، معادلة الأحجام والتوازنات في الحكومة. فالرئيس عون رفض من جهة أن يسُمّي الرئيس المكلف الوزراء المسيحيين، وخصوصا تسمية وزيري الداخلية والطاقة، ويريد من جهة ثانية أن يكون له ولفريقه المسيحي (التيار والطاشناق) 7 وزراء، بما يشكل له قوة ضامنة ومقررة داخل مجلس الوزراء بمعزل عن حلفائه، فيما تعطيه تشكيلة الحريري 6 وزراء، والثلاثة الباقون موزعون على «المردة» والقومي والمستقبل، ويتفادى الحريري الرقم 7 لأنه يمثل الثلث المعطل في حكومة الـ 18 وزيرا، ولن يكون في يد أي فريق سياسي أو طائفي.

3 ـ الرئيس سعد الحريري من خلال هذه التشكيلة يسجل نقاطا سياسية لمصلحته، أولها أنه رمى كرة الحكومة في ملعب رئيس الجمهورية وفعل ما عليه ورفع المسؤولية عنه، إضافة الى أنه أظهر ثقة بنفسه، وانسجاما مع وعود قطعها بأن يشكل حكومة اختصاصيين من أصحاب الكفاءة والسيرة الحسنة، تحت مظلة المبادرة الفرنسية ووفق المعايير التي حددتها خريطة طريق الورقة الفرنسية.

ولكن الحريري عندما يرمي حكومة أمر واقع على طاولة بعبدا يغامر بعلاقته الهشة مع الرئيس عون وبالحكومة الجديدة، لأنه عندما يرفع المسؤولية عنه يرميها على عاتق عون ويحمّله مسؤولية التعطيل والتأخير في ولادة الحكومة، وبالتالي مسؤولية ما يترتب على ذلك من انقطاع الدعم الدولي واحتدام الأزمة المالية وانفجار الوضع الاجتماعي.

نحن عمليا أمام «هذا الواقع»: حكومة مكتملة من جانب الحريري و«مسودة حكومية» من جانب عون.. والحل ما زال ممكنا نظريا إذا صار تفاهم على التوفيق بين «الورقتين» ووافق الحريري على إدخال تعديلات على تشكيلته. الثابت أن عون لن يقبل بهذه التشكيلة كما هي.. فهل يقبل الحريري إعادة النظر فيها؟!

4 ـ المفاوضات الحكومية «الشاقة والمعقدة» بين عون والحريري يواكبها فرز سياسي للقوى أبرز ما فيه توزع الثنائي الشيعي بين الطرفين. فالرئيس بري مؤيد بقوة للحريري ويسهّل أموره الى درجة أنه تجاوب معه في تقديم لائحة أسماء ليختار من بينها اسمي وزيري «أمل» (هذه المرة الأولى التي يخرق فيها بري مبدأ اتبعه بأن يسُمّي هو وفي اللحظة الأخيرة)، والى درجة أنه ساهم في تذليل عقبة جنبلاط والحؤول دون توسّع الشرخ بينه وبين الحريري (بري أقنع جنبلاط بقبول «الخارجية» وتنازل له عن الزراعة بدلا عن السياحة).

حزب الله موقفه مختلف ويلتزم جانب رئيس الجمهورية، والحزب لا يوافق بري على تسليم لائحة أسماء للحريري ليختار منها، ولن يفعل مثله، وإنما سيسلّم الحريري اسمين محددين لتولي وزارتي الأشغال والعمل (بري أخذ المال والسياحة)، والحزب لا يسلّم أسماء وزرائه الى الحريري قبل التأكد من أن عون راضٍ وموافق، ومن أن اتفاقا حصل مع الحريري حول الحكومة. وبالتالي، فإن حزب الله لا يوافق على اسم الوزيرين الشيعيين اللذين اقترحهما الحريري، ولو كانا غير مستفزين له، والمسألة عنده هي أنه لا يريد أن يعطي الحريري فرصة استفراد عون أو أن يظهر رئيس الجمهورية أنه المعرقل والوحيد الذي لم يسلّم أسماء وزرائه.

5 ـ عملية التأليف توقفت الآن عند هذا الحد، لتتقدم الحملات الاتهامية الناجمة عن تشكيلة الحريري ورد فعل عون عليها. الرئيس الحريري متهم الآن بأنه مستمر في المراوغة والمماطلة، ولا يزال يدور في نطاق لعبة تقاذف الكرة ومهتم برفع المسؤولية عنه وتلميع صورته في تقديمه حكومة أمر واقع في وجه الجميع يدفع بالملف الحكومي الى طريق مسدود.. والرئيس عون متهم بأنه يتجاوز الدستور عندما يسلّم الحريري طرحا حكوميا مقابلا، وأنه يقوّض مواصفات حكومة المهمة ويستبدلها بحكومة مستنسخة عن حكومات سابقة ولو مع تعديلات تجميلية.. وهذه هي المرة الثانية في غضون أيام يواجه فيها عون اتهامات بتجاوز الدستور وصلاحيات رئيس الحكومة كان واجه مثلها بعد اجتماع مجلس الدفاع الأعلى قبل أيام وصدور مقررات هي من صلاحيات مجلس الوزراء.

6 ـ الخطورة المستجدة في الملف الحكومي أن أزمة التأليف لا تقتصر على مبارزة ومعركة محاصصة وحقائب وتسميات، وإنما تكمن في أن معركة الحكومة تجري في ظل توتر سياسي كبير ناجم عن فتح ملفات قضائية وعملية تصفية حسابات سياسية، وفي ظل تصاعد الضغوط المالية والاجتماعية.. فإذا كان فشل تشكيل الحكومة سيؤدي أولا الى إطاحة ما تبقّى من المبادرة الفرنسية، والى تغيير في برنامج زيارة الرئيس ماكرون الى لبنان التي ستبقى قائمة ولكنها ستكون سياحية (تفقّد القوات الفرنسية العاملة في إطار «اليونيفيل») أكثر مما ستكون سياسية (تقتصر على لقاء بروتوكولي مع عون في قصر بعبدا)، فإن عدم تشكيل الحكومة من شأنه أن يزيد من حدة «الكباش السياسي» ويسرّع في وتيرة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وفي ظل الفراغ الحكومي، ستصبّ مجمل هذه الضغوط في اتجاه رئاسة الجمهورية.. ومعها تقوى احتمالات الانتقال من أزمة حكومية الى «أزمة حكم».

الأنباء