انكفاء الغرب فرصة أمام حزب الله للتغول أكثر في لبنان

حين أعلن الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله نهاية أغسطس الماضي، أن الحزب منفتح على مناقشة اقتراح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن التوصل إلى “عقد سياسي جديد” في لبنان شرط أن يكون “بإرادة ورضا مختلف الفئات اللبنانية”، لم يكن حتى أشد المتفائلين مقتنعا بذلك الموقف لأن الجميع يعرف أن كلامه مجرد دعاية إعلامية.

ولدى المحللين قناعة بأن انكفاء الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة عن دعم لبنان، يشكّل فرصة ثمينة لتغول إيران أكثر من خلال ذراعها حزب الله، خاصة وأنها تطمح لتعزيز نفوذها في المنطقة، وهي تضع نصب عينيها استكمال مشروعها في السيطرة على عواصم عربية أخرى إلى جانب بغداد ودمشق وصنعاء.




وبذلك تكون إيران قد انتهكت سمة أساسية من سمات التوازن الجيواستراتيجي للبنان وهي سياسة الانفصال عن الصراعات الإقليمية، ولكن في خضم ما يحدث، فإن من الضروري، بحسب المحللين، ومن بينهم أليستر ماسر، المحلل في معهد ليغاتوم البريطاني ألا يترك الغرب البلد في هذه الوضعية بالانكفاء بعيدا حتى لا تترك الفرصة لذراع إيران، ألا وهو حزب الله في التغول أكثر في لبنان.

أزمة عميقة

ترتبط إيران بعلاقات وثيقة مع حزب الله، بيد أنها ومنذ اندلاع الحراك الاحتجاجي في أكتوبر العام الماضي أبدت اهتماما متزايدا، وأوحت بعض المواقف التي صدرت عن بعض المسؤولين اللبنانيين ميلا لتحالف 8 آذار الذي يتزعمه حزب الله، والذي يتولى حاليا قيادة دفة البلاد والبرلمان الذي يمتلك فيه هذا التحالف الأغلبية.

ويعيش لبنان اليوم في قبضة أزمة عميقة في ظل الجمود السياسي المتعلق بتشكيل الحكومة بقيادة رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري، ومن المحتمل، بحسب ماسر، في تحليله المنشور بموقع “كاب إكس” البريطاني أن تكون شديدة مثل الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاما وانتهت في عام 1990 وحتى قبل انفجار ميناء بيروت الكارثي في أغسطس الماضي، وخلّف ما يصل إلى مئتي قتيل والمئات بلا مأوى، كان البلد على حافة الهاوية.

خلال الأشهر العشرة الماضية ، فقدت الليرة اللبنانية نحو 80 في المئة من قيمتها. ووفقا للتوقعات الحالية، من المرجح أن تتجاوز نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان 160 في المئة هذا العام، مما يجعلها من بين أكثر الدول مديونية في العالم. حوالي ربع السكان في سن العمل عاطلون عن العمل، ويعيش ما يقرب من ثلث إجمالي السكان تحت خط الفقر.

الآن، ألقت المظاهرات الواسعة النطاق بظلال من الشك حول ما إذا كانت حزمة الإنقاذ التي طرحها صندوق النقد الدولي بقيمة 10 مليارات دولار ستكون كافية لإخراج البلاد من التدهور الاقتصادي المنهك.

ويكاد يجزم ماسر أن عدم الاستقرار هذا يهدد بكشف الطائفية التي لطالما كانت سمة من سمات السياسة اللبنانية المتصدعة، مما يخلق فراغا في السلطة في منطقة شديدة التقلب، ومن السهل جدًا نسيان المدى الذي تشكلت فيه الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط في تشكيل تاريخ لبنان.

ولقد كافحت الدولة منذ فترة طويلة للتخفيف من التأثير الضار لجيرانها، لاسيما سوريا وإيران، اللتان تدعمان حزب الله منذ فترة طويلة. وكان للجماعة دور فعال في إطالة أمد الحرب الأهلية السورية التي ستدخل قريبًا عامها العاشر، حيث قدمت الدعم العسكري الأساسي لنظام بشار الأسد.

ويستمر دعم حزب الله غير المبرر للإرهاب في العراق وسوريا والأراضي الفلسطينية على قدم وساق، في حين أنه حشد ترسانة أسلحة في لبنان، في انتهاك مباشر لقراري مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 1701 و1559.

وبينما سعى الاتحاد الأوروبي ومجموعة من الدول ذات مرة إلى مراعاة التمييز الاسمي بين الجناحين السياسي والعسكري للتنظيم، وبريطانيا من بين العديد من الذين خلصوا إلى أن “المجموعة بأكملها تُقيِّم على أنها معنية بالإرهاب” ، وأضافت في مارس العام الماضي إلى قائمتها المؤلفة من 76 منظمة محظورة بموجب قانون الإرهاب لعام 2000.

وكانت ألمانيا قد كشفت في أكتوبر الماضي أنها تعتزم إدراج حزب الله اللبناني على قائمة الإرهاب للاتحاد الأوروبي لتتوسع دائرة الضغوط الدولية على الحزب المدعوم من إيران. وذكرت مجلة “دير شبيغل” المحلية حينها أن هذا التصنيف يسري حتى الآن فقط على الذراع العسكرية للمنظمة الشيعية.

ونقلت المجلة عن هانز-جيورج إنجلكه، وكيل وزارة الداخلية، قوله إن “حزب الله منظمة إرهابية”، مشيرا إلى أنه سيتم بذل مساع خلال رئاسة ألمانيا للاتحاد الأوروبي من أجل إدراج الحزب ككل على قائمة الإرهاب. وسبق وأن حظرت ألمانيا كافة أنشطة حزب الله على أراضيها وصنفته منظمة إرهابية.

فرصة للتغول

يمثل الشلل الحالي في لبنان فرصة مهمة لحزب الله، الذي يوصف بأنه “دولة داخل الدولة”، فنفوذه في جميع أنحاء المشهد السياسي والاقتصادي والاستراتيجي في لبنان واسع بقدر ما هو ضار. وهناك العديد من الأمثلة على ذلك.

فبعد وقت قصير من انفجار ميناء بيروت، أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التابعة للأمم المتحدة حكمها الذي طال انتظاره، بإدانة أحد المشتبه بهم الأربعة في حزب الله، سليم عياش، بارتكاب جريمة قتل رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005.

وعلى الرغم من أن المحكمة لم تجد دليلاً قاطعًا على أن قيادة حزب الله وافقت على الاغتيال، إلا أن رفضها السماح باعتقال المشتبه بهم أثار الدهشة.

وبهاء، نجل الحريري، من بين عدة شخصيات بارزة في لبنان حذرت من الحاجة إلى كبح نفوذ حزب الله المتزايد. ويضيف أنه ما لم يحدث ذلك، فإن لبنان يخاطر بوضعه تحت وطأة عقوبات قاسية، والتي يمكن أن تكون نهاية لاقتصاد البلاد المتعثر.

لقد بذل بهاء الحريري قصارى جهده لتسليط الضوء على أن وجود حزب الله داخل الحكومة يمنع لبنان من تلقي الدعم الدولي، الذي تشتد الحاجة إليه -من خلال برامج المساعدات والمساعدات المالية- من شأنه أن يساعد في استقرار الاقتصاد وتنشيطه.

لا يزال حزب الله غير معترف بدعمه للإرهاب في العراق وسوريا وهو يشدد قبضته على السلطة في لبنان بشكل أكبر

وبدلاً من ذلك، يبدو أن حزب الله مستعد لإحداث خلل في ميزان القوى الحساس في لبنان مستخدما وضعه باعتباره الميليشيا المسلحة الوحيدة في البلاد وانقسام خصومه لتعزيز مصالح الأقلية الشيعية.

ويقول ماسر، الذي عمل كمستشار خاص في وظيفتين تحت حكم ديفيد كاميرون إنه ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كانت الحكومة الحالية قادرة على حشد الوحدة اللازمة للتصدي للعديد من التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها الآن.

ومن هذا المنطلق يؤكد ماسر أن حالة عدم الاستقرار المتصاعدة هذه تهدد بتحويل لبنان مرة أخرى إلى بوتقة للصراع، كما أن تآكل القيود المفروضة على قوة حزب الله داخل لبنان يعد بتقوية يد إيران في المنطقة، وزيادة احتمالية نشوب صراع مستقبلي بين لبنان وإسرائيل المجاورة.

وكما هو متوقع، طغت جائحة كوفيد – 19 على إلحاح معضلة لبنان، والذي ركز اهتمام صانعي السياسة بشكل متزايد على الاهتمامات المحلية وليست الدولية، لكن لا يسع التغاضي عن خطورة الوضع، والآثار المترتبة على الأزمة السياسية الجديدة في قلب الشرق الأوسط، لأن الازدواجية الغربية في في التعاطي مع الأزمة التي يواجهها لبنان تعتبر خطأ فادحا.