//Put this in the section //Vbout Automation

قرار حكومي خاطئ يضاعف إصابات كورونا في لبنان

في الخامس من أبريل 2020، وخلال الإقفال العام الذي شهده لبنان مع بداية انتشار جائحة كورونا، اتخذ وزير الداخلية والبلديات، أحمد فهمي، قراراً يقضي بتقييد حركة السيارات والشاحنات والدراجات النارية في البلاد، وفقاً لتقسيم يعتمد على أرقام السيارات بحسب الرقم المنتهية به بين مزدوج أو مفرد، وذلك في سياق إعلان التعبئة العامة من قبل الحكومة اللبنانية لمكافحة انتشار فايروس كوفيد 19.

أوقف العمل بالقرار في شهر يونيو بعد إعادة فتح البلاد، ثم عاد في أغسطس وتوقف ليعود مجدداً مع آخر إغلاق شهدته البلاد الشهر الماضي (نوفمبر).




3 مرات اتخذ وزير الداخلية القرار نفسه، إلى أن أعلن وزير الصحة اللبناني حمد حسن في تصريح صحفي وقف العمل بهذا القرار بعدما تبين أن أثره كان سلبياً لا بل خطيراً على صحة اللبنانيين والمصلحة العامة، بحيث ضاعف، بحسب الوزير، أعداد المصابين بالفايروس في البلاد بسبب لجوء اللبنانيين إلى النقل العام المشترك تعويضاً عن منعهم من استخدام سياراتهم خلال الأسبوع، وبالتالي أدى إلى مزيد من الاختلاط والازدحام بدلاً من خفضها.

كذلك فإن القرار أثار مشاكل كبيرة تتعلق بالخدمات وإدارتها في البلاد كما هو الحال مع شركة أوجيرو للاتصالات وعمال الصيانة لديها، إضافة إلى كونه أرسى مفهوماً عاماً يحث المواطنين على التنقل والخروج إلى الشوارع وفقا لأرقام سياراتهم، بدلا من أن ينبثق من روح إعلان التعبئة العامة التي تهدف بالأساس إلى منع الازدحام والتزام الناس منازلها، وهو ما ظهر في الشوارع اللبنانية على شكل ازدحامات تماثل أي يوم عادي في البلاد.

على مدى الأيام التي شهدت تنفيذاً لقرار “المفرد مجوز”، بحسب ما اصطلح على تسميته، ثابرت القوى الأمنية على استعراض عدد المخالفات المسجلة بحق المواطنين الذين أقدموا على خرق القرار، عبر بيانات وزعت على وسائل الإعلام ونشرت على وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بقوى الأمن الداخلي.

في اليوم الأول للقرار (5 أبريل) سجلت القوى الأمنية أكثر من 1300 محضر، في حين أن حصيلة الجولة الأخيرة من الإقفال الشهر الماضي، جاءت بنتيجة تجاوزت ال36 ألف محضر ضبط تبلغ قيمة الواحد منها 50 ألف ليرة لبنانية، أي أن الدولة اللبنانية حصّلت نحو مليار و800 مليون ليرة لبنانية من جيوب المواطنين على مدى 15 يوماً فقط، في سبيل تنفيذ قرار غير مدروس جاء بنتيجة خطيرة ومعاكسة للمرجو منها، الأمر الذي دفع اللبنانيين للتساؤل حول مصير هذه المخالفات المسطرة ومسار محاسبة الوزير المسؤول عن هذا القرار الخاطئ.

مواطنون لن يدفعوا!

يعبر المواطن اللبناني محمد .ح عن شعوره بالاستفزاز بسبب النتيجة التي خلص إليها هذا القرار، لاسيما وأنه تلقى محضري ضبط في أوقات مختلفة بعدما اضطر لمخالفة قرار “المفرد مجوز”، متسائلاً “ماذا عن الأموال التي دفعناها وسندفعها بسبب هذا القرار؟ مثله كمثل معظم القرارات التي تتخذها السلطات اللبنانية، بحيث يتحكم بحياتنا ورقابنا أشخاص يفتقدون للخبرة والإختصاص يعجزون حتى عن دراسة أبعاد ونتائج قراراتهم وإنما مجرد تسلط فارغ من أي جدوى.”

محمد عاطل عن العمل منذ 10 أشهر، حاله كحال نحو 40% من الشباب اللبناني، بعدما كان يعمل طبّاخاً، يؤكد في حديثه لموقع “الحرة” أنه لن يدفع هذه المحاضر، “أمي وأبي أحق من هذه الدولة بتكلفة هذه المحاضر في ظل هذه الأوضاع المعيشية والاقتصادية، لم يكن من حقهم أن يحتجزوننا في الأساس بهذا القرار، كنت متوجها إلى عملٍ توفقت بالحصول عليه لمدة محدودة ولأني عاطل عن العمل عجزت عن تفويت هذه الفرصة، أوقفتني القوى الأمنية وأعطوني محضراً بتكلفة نصف ما جنيته في ذاك اليوم، شعرت بمظلومية كبيرة.”

يضيف: “في المرة الثانية قالوا إن المتوجهين من وإلى المطار يشملهم الاستثناء من هذا القرار لكون المطار بقي مفتوحاً حينما أغلقت البلاد، أحضرت خالتي القادمة من ألمانيا وفي طريق عودتي أوقفتنا القوى الأمنية وسطرت محضرا آخر بحقي، في حين كان لدي قناعة أن توجهي لإحضارها بسيارة أجرة سيعرضنا للتخالط والمخاطرة بالتقاط الفايروس أكثر بكثير من سيارتي الخاصة واليوم يتبين أنني كنت محقاً بمخالفتي والدولة مخطئة بقرارها.”

علي. ن هو مواطن آخر يرفض بدوره دفع المخالفة المسطرة بحقه لمخالفته قرار وزير الداخلية، يروي لموقع “الحرة” ما حصل معه: “كنت مريضاً في اليوم الخامس للحجر الصحي، ولكنني مضطر للانتقال من مكان إقامتي في جنوب لبنان، إلى منزلي الثاني في الضاحية الجنوبية لبيروت كي أبتعد عن العائلة أثناء مرضي ولأسباب شخصية أخرى، خفت من التنقل عبر النقل المشترك وأيضاً خفت من طلب تاكسي كي لا أنقل أي عدوى قد أكون مصاباً بها للسائق، واخترت المخاطرة والتوجه بسيارتي ذات الرقم المزدوج في يوم كان مخصص للمفرد.”

علي مقتنع بشكل تام أن هدف هذا القرار هو “جمع الأموال للدولة المفلسة، لا أكثر ولا أقل وهذا ما يفسر الأسلوب الذي اعتمدته قوى الأمن في تسطير المحاضر بشكل عشوائي وبغياب أي حس إنساني مع المواطنين أو تقدير لخصوصياتهم في هذه الظروف والأحوال، وافقدوا القرار هدفه الإنساني بحماية المواطنين بالدرجة الأولى قبل تغريمهم، كانوا يتصرفون كمن لديه عدد محدد من المحاضر يريد تحقيقه من حساب المواطنين، في ظل استنسابية واستثناءات أضعفت الثقة بالقرار نفسهو شجعت على خرقه.”

يذكر أن القرار والاستثناءات الصادرة فيه، شكلت ارباكا للقوى الأمنية، لاسيما بوجود مرجعيتين له الأولى هي المجلس الأعلى للدفاع، والثانية هي وزارة الداخلية، وذلك ما أدى إلى تباين في التعاطي مع المواطنين والإستثناءات كما حصل مع أحد المحامين في منطقة كورنيش المزرعة، أو كما حصل مع أحد الصحفيين الذين تلقوا محاضر من عناصر قوى الأمن رغم أن القرار يستثنيهم، إضافة إلى حالات أخرى من العاملين في القطاع الطبي وغيرهم.

الوزير فوق المحاسبة!

سامر هو الآخر تلقى ضبط في سياق القرار نفسه، لكنه دفعه. يسأل عبر موقع “الحرة”، “أنا كمواطن نفذت واجبي ودفعت الغرامة بسبب مخالفتي للقرار، اليوم وبعد ظهور الأثر الكارثي له على الصحة العامة في البلاد، أريد كمواطن أيضا أن أرى المسؤول عن هذا القرار يخضع لمحاسبة تليق بنتائج القرار وتشعرني كمواطن أنني في دولة عدالة يخضع فيها الجميع للقانون.”

هناك طريقتان للتعامل القانوني مع هذه الحالة، بحسب المحامي والناشط الحقوقي واصف الحركة، “الطريق الأول باتجاه المجلس الدستوري عبر تقديم طعن بهذا القرار الإداري، اذا ثبت خطأ القرار، وهذا ما حصل مع قرار “المفرد مجوز” باعتراف وزير الصحة.  أما الثاني فهو أن يقوم المتضررون المسطر بحقهم محاضر ضبط بالإعتراض أمام القاضي المنفرد الجزائي ويدلون بهذه النقاط التي تثبت أن القرار كان خاطئاً بإعتراف رسمي وبالتالي تتحمل مسؤوليته الدولة وليس المواطن.”

ويتابع حركة “لو كنا في دولة فيها قضاء مستقل لكان مجلس شورى الدولة فسخ القرار وحمل مسؤوليته للوزير الذي اتخذه، أو أن كان على مجلس النواب مساءلة الوزير أو الحكومة، ويطلب رفع الثقة عنه لعزله وطلب استقالته، ولكن مجلس النواب لا يقوم بدوره التشريعي والدستوري بمحاسبة الحكومة ومراقبة أداءها.”

لكن يبدو أن الوزير محمي بقراره من المحاسبة القانونية على الرغم من المخاطر الصحية الناتجة عنه، فبحسب وزير الداخلية السابق والمحامي زياد بارود، “ليس هناك أي مادة في القانون تقول إنه يمكن الطعن بقرار وزاري إذا لم يؤت النتيجة المرجوة منه للأسف، فهذا النوع من القرارات غير قابلة للطعن لدى مجلس الشورى لأنه لم يتجاوز حد السلطة الممنوحة للوزير لكونه صدر بناء على مادة قانونية في قانون السير الجديد وبالتالي هو مارس صلاحيته.

يتمنى الوزير بارود لو أن هناك إمكانية للطعن بهذا النوع من القرارات التي تعتبر خاطئة من قبل الوزراء ودون جدوى أو فائدة أو ما يسمى قانونا بعدم “الملاءمة”، يشير إلى وجود قرارات كثيرة من هذا النوع يجب وقف العمل بها لعدم جدواها، ولكن هذا الأمر غير ممكن قانونياً.

يتفهم الوزير السابق النقمة الشعبية على هذا القرار، “الذي يحتمل اعتراضاً سياسياً وشعبياً ومنطقياً، ولكن ليس قانونيا، فمن حق الناس أن تسأل لماذا تدفع محضراً سببه قرار لم يؤدي الغاية المرجوة منه، لكن القرار يبقى نافذاً، ومن الممكن في المقابل الاعتراض على المحضر الصادر عن قوى الأمن أمام محكمة السير بناءً على أنه لم يكن ذي جدوى”.

في المقابل يؤكد بارود أنه يمكن للمجلس النيابي مساءلة الوزير ومحاسبته حول هذا القرار ونتائجه، وصولاً إلى طرح الثقة به وهذا دوره الدستوري، وفي المقابل أيضاً هناك المجلس الأعلى لمحاسبة الوزراء والرؤساء ولكنه معطل ونظري ولا يتم تطبيقه لوجود إشكالات قانونية في آلية التطبيق، في حين يصعب ملاحقة الوزير في المحاكم العادية.

يبقى أن هناك اجتهادات قانونية تتحدث عن عدم قانونية قرار الوزير من أصله لكونه قرار إداري وليس مرسوماً صادراً عن مجلس الوزراء وهو ما تفرضه المادة الثانية من قانون الطوارئ والتعبئة العامة لإعلان التدابير المتخذة، إضافة إلى ذلك فإن القرار مخالف للدستور اللبناني بحيث يتناقض مع حق الملكية المطلق والمصون في الدستور والذي يمنح المواطنين حق التصرف بملكيتهم، كما أن فرض غرامة على المواطنين يعني إنزال عقوبة والعقوبة غير ممكنة من دون قانون ينصها.

كورونا لا يخرج إلا في المساء؟

النتيجة السلبية لهذا القرار فتح الباب مجدداً على مناقشة كافة القرارات الصادرة في إطار التعبئة العامة المفروضة في البلاد  والجدوى منها في ظل انعدام ثقة كبير من قبل المواطنين بخطط الحكومة لمكافحة انتشار الفيروس وهو ما ظهر واضحاً في أرقام الحالات المسجلة والتي لم تسجل أي تحسن رغم إقفال البلاد لمدة 15 يوماً.

يتساءل محمد “كورونا لا يخرج إلا في المساء؟” ساخراً من قرار منع التجول بعد الساعة الخامسة عصراً حتى الخامسة صباحاً  مضيفاً:” هذا القرار أيضاً حول النهار إلى ساعات ذروة زادت من اختلاط الناس في المحال والأسواق قبل مواعيد الإقفال”، كذلك يتساءل علي عن الفرق بين الساعة الحادية عشر مساءً أو الثانية عشر أو حتى ما بعد منتصف الليل، “لماذا يقفلون في هذا التوقيت تحديداً؟ إما إقفال عام أو عدمه لماذا منع الولوج إلى الشوارع ليلاً سوى أنه مزيد من الضرر على أصحاب المصالح وإضعاف للإقتصاد؟ ثم ماذا عن التحايل الجاري بحيث باتت محلات ثياب وحانات تبيع مأكولات ومواد غذائية فقط للتهرب من القرار، خطط الحكومة وادائها فوضى عارمة”.

لا يخفي محمد خشيته من كل الإجراءات المتخذة، وخوفه من أن تتسبب هذه القرارات غير المدروسة بمزيد من المخاطر على صعيد انتشار فايروس كورونا، معتبراً أن “الدولة اللبنانية تتعامل مع المواطنين وكأننا فئران تجارب، كل يوم يصدر قرار جديد دون دراسة جدوى أو أثر بعيد الأمد، ويفرض علينا تنفيذه من قبل أشخاص لا يشعرون بالمواطن فهم بالأساس غير مشمولين بهذه القرارات ولا تنعكس عليهم لا صحياً ولا اقتصادياً ولا نفسياً.”
الحرة