المهمّ “دفن” الخطة المالية لحكومة حسان دياب

غسان الحجار – النهار

لا موقف عدائياً ضد شخص رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب، وأذكر أنني كتبتُ داعياً الى إعطائه وحكومته فرصة بدل الهجوم الجاهز بخلفيات سياسية، لكن شعوراً بالندم انتابني لاحقاً، إذ إن متابعة واقعية لمسار الرئيس دياب، وخطته المالية، ورؤيته الاقتصادية، ونتائجها على البلاد والعباد، تظهر بما لا يقبل الشك ان الرجل إما جاهلٌ بأمور عالَم المال والاقتصاد، وإما انه عميل لمشروع ايراني، كان يُراد له إدخال لبنان، مالياً بعد الميداني، في محور طهران – دمشق.




الخطة المالية التي أطلقها دياب مع عدد من المستشارين، الذين هبطوا بالمظلة على المشهد الاقتصادي، لم تكن مدروسة على الاطلاق. أراد وفق قوله، توفير العملة الصعبة للبنانيين، بدلاً من سداد سندات اليوروبوندز، لكنه بدلاً من سداد مليارات قليلة، تسبَّب للبنان باستحقاق كل ديونه دفعة واحدة، بحيث صار عاجزاً عن الإيفاء بالتزاماته. وهكذا قاطع العالم لبنان مالياً، لأنه بلد مفلس. أوقع دياب لبنان كله، وسرّع تظهير مشكلته التي كان ممكناً بعد، تأجيلها سنة أو سنتين، ريثما تتبدل ظروف محيطة ومؤثّرة. ثم إنه أراد معاقبة المصارف عبر ضربها، وبادر الى مشروع لإنشاء خمسة مصارف جديدة لم يُفهم الهدف منها إلا المضاربة على المصارف القائمة.

وفي تبرير الخطوة ان المصارف الجديدة ملزمة باستقطاب 200 مليون دولار لكل منها من رساميل خارجية، اي ان عليها ادخال مليار دولار الى السوق لتحريكها. والرقم مثير للسخرية، لانه يمكن ان يؤثر في ظل اوضاع طبيعية، اما المليار في ظل استحقاق المئة مليار، فتأثيره أقل من حبَّة مسكّن، علماً ان احداً في الخارج لن يُقبل على الاستثمار في لبنان في ظروف مشابهة، ما يعني ان المليار المفترض غير مضمون.

ومن بين الحلول المطروحة لأزمة الديون خطة “هيركات”، نفاها تكراراً، وصولاً الى شطب الودائع. لكن “الهيركات” تحقق فيما الودائع علِقت إنْ لم تكن تبخرت.

لم تتمكن الحكومة من انشاء مصارف جديدة، ولا المحافظة على المصارف القائمة، ولا الانتقال من التعامل المالي الورقي الى الالكتروني، وفشلت في التفاوض مع صندوق النقد الدولي الذي كان يمكن ان يشكل بوابة لبنان على الاسواق المالية العالمية.

ماذا تحقق إذاً؟ في جواب مبسَّط، فشلت الحكومة لانها لا تملك الخبرة، وأدخلت البلاد في نفق معتم، ما يستوجب المحاكمة وليس المحاسبة فقط. وفي جواب يقرأ التطورات في السياسة، ان الحكومة المستقيلة قدمت خدمات لإيران واسرائيل. فالقطاع المصرفي اللبناني الناشط لا يرضي اسرائيل وعدداً من الدول العربية، وتتفق على ضرب هذا القطاع، وهو ما حصل. أما المحور الايراني فيجهد لعزل لبنان عن ارتباطه بالغرب ويدفعه شرقاً، ولا يمكن ان يتحقق هذا الامر ما لم يخرج لبنان من المنظومة المالية العالمية، وينقطع عن الغرب، وشكَّل ضرب المصارف والتعامل مع المصارف المراسلة هدفاً لهذا المشروع، وقد حققته حكومة دياب، ما يستوجب ايضا محاكمتها لانها ضربت نقطة قوة لبنان، وتركته على قارعة الطريق.

التحدي الكبير المقبل هو في اعتماد خطة مالية سريعة وملحّة للتفاوض حولها مع المجتمع الدولي بعد دفن خطة الحكومة الحالية سريعاً بعدما وُضعت في موت سريري. الخوف كل الخوف ان تؤلّف حكومة جديدة، ولا تتمكن من إنجاز خطة اقتصادية ومالية سريعة لأن شعار “لبنان دولة فاشلة” سيتأكد تماماً.