من كان منكم بلا خطيئة فليرجمهم بحجر

سركيس نعوم – النهار

الاستنسابية في فتح الملفات الدسمة أمام #السلطة القضائية لا تحل مشكلة #الفساد في #لبنان، ولا تبريء أصحاب القرار السياسي الرسمي في البلاد وحلفاءهم في المنظومة السياسية المتنوّعة الحاكمة البلاد فعلياً من محاباة جهات أخرى فاسدة ومن حمايتها بعدم الإيعاز الى السلطات المعنية من أمنية وقضائية بفتح ملفاتها. فضلاً عن أنها قد تدفع الشعوب اللبنانية المتناقضة في ولاءاتها السياسية والطائفية والمذهبية والحزبية وحتى الإقليمية والدولية التي لم تنتهي الحروب في ما بينها فعلياً رغم انتهائها عسكرياً عام 1990 الى وضع لبنان على شفير حرب أهلية جديدة أو الى جعله إحدى أهم ساحات الانفجار الاقليمي الكبير الذي يروّج له الكثيرون في الداخل والخارج، والذي يعتقد كلٌ من هذه الشعوب أن نتيجته ستكون في مصلحته وعلى حساب مصالح شقيقاته. وهو اعتقاد واهم يدلّ أولاً وأخيراً على أن اللبنانيين لم يتعلموا شيئاً من تجارب حرب الـ75 – 90 وما بعدها، ولم يدرسوا جدّياً الأسباب التي أدت اليها في لبنان ما قبل الحرب، وتالياً لم يصلوا الى النتيجة التي كان يجب أن يصلوا إليها وهي أن وحدتهم تحميهم كلهم ومعهم الوطن والكيان والدولة والمواطنة والحقوق والمساواة والعدالة. في حين أن الخارج الشقيق طائفياً أو مذهبياً أو قومياً كما الخارج المختلف دينياً وقومياً سواء كان من أصحاب القامات الكبيرة دولياً وإقليمياً فإن معاملته للشعوب كلها إذا انتصر ستكون متساويةٍ بظلمها ولا عدالتها، وباستخدامها كلها أدوات لحماية مصالحها أو للقتال عنها في المنطقة إذا دعت الحاجة الى ذلك. النتيجة المنطقية إذا وصل اللبنانيون الى هذا النوع من الوعي والإدراك اليوم وهم في الأزمة الوجودية الأكبر في تاريخهم الوطني والفئوي، والأكثر تهديداً لدولتهم والكيان بل للوجود بشراً وحجراً لا يطلب أحد أن تكون عودتهم الى الوحدة والوعي والى إبدال الأساليب والسياسات التي أفلست الوطن وناسه وفرطت دولته. فذلك يستحيل في هذه المرحلة حيث تسود قمة التعصب عند الجميع وكثرة الحقد وتنامي الرغبة في الانتقام من مظالم قديمة جداً في التاريخ وأخرى حديثة، وحيث يدفع #الفقر والإفلاس الناس الى الفوضى لا الى الثورة وإن استعملوا اسمها كثيراً وربما الى ثورات متناقضة ومتحاربة. كما يستحيل أيضاً لأن المنظومة السياسية المؤلّفة من قادة الطوائف والمذاهب والأحزاب التي لا مصلحة لها في أي إصلاح جدّي لأنها بغالبيتها مسؤولة عن “خطيئتين عظيمتين” أولاهما توظيف أدوارهم في السلطة لتعزيز مواقعهم ولتكديس ثرواتهم المالية والعقارية ولتهديم الدولة بجعلها بقرة حلوباً لهم وليس لشعوبهم وبتسليم كل من أطرافها حصّته “الجغرافية” أو “الطائفية” أو “المذهبية” من بلاده للخارج. أما الخطيئة الثانية فهي التحالف غير القابل للفك الفعلي بين أطراف المنظومة لأن أهدافهم غير الوطنية واحدة رغم أن الظروف أحياناً تدفعهم الى التقاتل بواسطة شعوبهم من دون أن يقطعوا لا “شعرة معاوية” التي بينهم فقط بل اتصالاتهم وتبادلهم المنافع والعمل للعودة الى السلم الذي يناسبهم. وهو ليس سلم الشجعان بل السلم الذي يبقي الأنصار “أزلاماً” كي لا نقول أكثر جاهزين دائماً للتضحية من أجلهم “بالروح والدم”. في هذا المجال يُفترض أن تكون بداية الحل اجتماع المنظومة أي أهل الحل والعقد في السلطة وفي الشارع لا بل في الشوارع ليس لإيجاد حل لأنهم عاجزون كلياً عن ذلك، بل للبحث في حلول تخفّف غضب الناس لسرقة أموالهم وضرب دولتهم ومن شعورهم بالمهانة جرّاء الفقر.




فمحاسبة الفساد جدياً تقتضي اجتماعاً للمنظومة كلها واتخاذها قراراً بفتح ملفات الفساد كلها. لكنهم لا يفعلون لأنهم قد لا يسلمون من المسؤولية، وقد تتعرض سلطتهم للخطر الجدّي، في حين أن هدفهم فتح ملفات أخصامهم واستخدام معلومات أجهزتهم الرسمية وغير الرسمية من أجل توجيه الملاحقات الشعبية لهؤلاء الأخصام بقصد إذلالهم. هذا أمرٌ غير سيئ لو كان شاملاً الفاسدين كلّهم وغير انتقائي. في هذا المجال لا ينكر أحد أن مصارف لبنان الخاصة بمالكيها والمساهمين فيها وبعض كبار موظفيها مسؤولة جداً عن ما جرى، وأيضاً مصرف لبنان أولاً بشخص حاكمه رياض سلامة ولكن أيضاً بأشخاص من توّلوا مراكز فيه مهمتهم مراقبة الإداء تلافياً لأي خلل. إذ لم يقوموا بمهمتهم ليس فقط بسبب شخصية الحاكم الذي وصفه البعض بـ”الساحر”، بل أيضاً بسبب دناءة النفوس وملكة الاستزلام والرغبة في السلطة والمال. لكن يجب أن لا ينكر أحد أيضاً أن مسؤولية الدولة أو الدول و”حواشي” رؤسائها وممثلي الطوائف والمذاهب فيها تضاهي مسؤولية مصرف لبنان والمصارف الخاصة. فشراكة المغانم مهمة عند الجميع وهي التي ترمي بذور الشك في عقول الناس في إمكان وصول أي فتح لملفات فساد الى نتائج شاملة ونهائية. فحتى الارتكاب لا بد من حصره بطوافق المنظومة كلها أو معظمها بجهات محدّدة ضماناً لإنقاذ نفسها. وهنا على اللبنانيين مسيحيين ومسلمين أن يتذكروا قول يسوع المسيح: “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”.

في النهاية استمرار مسرحية محاسبة الفاسدين لا تنطلي على اللبنانيين. لكنها لا تنطلي أيضاً على المؤسسات الدولية التي لا يستطيع لبنان أن ينهض من دون مساعدتها وفي مقدمها صندوق النقد الدولي. هذا قرار غالبية المجتمع الدولي. لكن هذا المجتمع يريد إصلاحات قبل الدفع باتجاه تقديم أي مساعدة. والصندوق سيقول للبنانيين وللمرة الألف ربما: لا مساعدات مالية حتى تصغّروا حجم القطاع العام المحشو بإزلام ومحاسيب المنظومة السياسية الذين لا يقومون بشيء وإذا فعلوا فإنهم يفسدون. والرقم الذي يعطيه الصندوق لعدد الذين لا يصطلح القطاع العام من دون التخلّي عنهم يناهز المئة ألف. – لا بد من زيادة ضريبية القيمة المضافة TVA – يجب زيادة سعر البنزين – لا بد من تحرير سعر الليرة التي تسبّب تثبيتها المصطنع مع الفساد بانهيارها ومعها الناس والبلاد.

طبعاً يعرف اللبنانيون أن أي حكومة في لبنان ستكون عاجزة عن تنفيذ ذلك كله الأمر الذي يبقي أزماته بل محنه بلا حلول بل قد تُضاف إليه أزمات جديدة هي العمالة اللبنانية في الخليج المطبّع حديثاً مع إسرائيل وهي معروفة وصعبة. إذ يتسبّب رفض ما يستوجبه ذلك في العمل طرداً منه وربما من البلاد أحياناً الى بلادهم العاجزة عن تلبية مطالب الباقين من شعوبه على أرضه. هذه مشكلة مهمة يجب عدم التقليل من أهميتها. ينقل أحد العارفين بالخليج هذا أن موظفاً لبنانياً مهماً في شركة كبيرة استُدعي الى الإدارة وأُبلغ أن تأشيرة عمله أُلغيت. وبعد عدّة أسئلة واستفسارات قيل له: “أنه شوهد يدخل “مستشفى الرسول الأعظم” التابع لـ”حزب الله” في بيروت. فنفى ذلك وأصرّ وبعد تحقيق سريع ودقيق تبيّن أن لبنانياً شيعياً يحمل الإسم نفسه، وذلك ممكن في لبنان، دخل المستشفى في حين أنه هو مسيحي ولم يدخله. طبعاً أُعيدت إليه التأشيرة واستمر في العمل.