برلين على خط التأليف: لن تدعم لبنان بقرش واحد… قبل الاصلاحات

رضوان عقيل – النهار

دخلت برلين على خط تأليف حكومة جديدة ومواكبة يوميات الحياة السياسية في لبنان. ولم تتغيب الديبلوماسية الالمانية في الاصل، لكنها أخذت في الآونة الاخيرة تهتم اكثر وتبدي رأيها في الكثير من الملفات الداخلية في البلد، وتركز على إطلاق عجلة الاصلاحات التي باتت مادة متلازمة في مواقف اكثر من عاصمة حيال لبنان، ومطالبة قواه السياسية بتطبيق جملة من الاجراءات والمشاريع الاصلاحية لترافق خطة الحكومة المقبلة للحصول على دعم من الخارج.




وتؤيد المانيا مبادرة فرنسا في اتجاه لبنان نظراً الى العلاقات التي تربط الجارين الاوروبيين اللذين يشكلان الحجر الاول في مدماك الاتحاد الاوروبي الذي سيكون في طليعة الجهات التي ستقدم مساعدات للبنان في المستقبل في حال تم بالفعل تطبيق جملة من الاصلاحات التي تشدد عليها برلين، والتي لا تخفي في الوقت نفسه بعض الملاحظات على الاداء الفرنسي وان لم تظهِر هذا الامر الى العلن، لكن قنواتها الديبلوماسية تعبّر عن ذلك في جلسات مغلقة. ولا احد يقلل هنا حجم تأثير الادارة الاميركية على المانيا في اكثر من ملف في العالم . ويعرف الالمان حجم الحضور الفرنسي وتأثيره على مختلف المكونات اللبنانية، ولكن في جعبتهم جملة ملاحظات على الاليزيه بعد اطلاق مبادرة الرئيس ايمانويل ماكرون وزيارته بيروت مرتين بعد تفجير مرفأ بيرت في 4 آب الفائت. وهم يميلون الى ناحية ان تكون تلك المبادرة بقالب اوروبي أكبر من دون الانتقاص من الدور الفرنسي التاريخي في لبنان.

وكانت برلين قد قدمت ورقة الى الاتحاد الاوروبي تتقاطع مع المبادرة الفرنسية. وثمة تشديد فيها على عدم تقديم اي دعم مالي للبنان ومساعدته قبل تشكيل الحكومة ومباشرتها على الفور تطبيق جملة من الاصلاحات. ولا تخفي ميلها الى اضافة تعديلات على الطبعة الفرنسية، لأنه عند التئام مؤتمرات دعم لبنان ستكون المانيا في مقدم الدول التي ستقدم المال من خزينتها، وهي تصر على عدم الافراج عن هذا الدعم ولو بقرش واحد قبل تحقيق رزمة من الاصلاحات والتثبت من سريانها في وزارات الدولة واداراتها وتثبيت قواعد الشفافية والمحاسبة. ولم تخلُ تصريحات وزير الخارجية الالماني هايكو ماس وطواقمه الديبلوماسية من التركيز على دور المجتمع المدني في لبنان والسعي الى اخذ موقعه في صنع القرار في الحياة السياسية. ولم تخفِ جهات ديبلوماسية مواكبة لمواقف الادارة في برلين أن الاخيرة لا تمانع في انخراط الافرقاء في لبنان في مؤتمر وطني مع ادخال اصلاحات اذا كانت ثمة حاجة اليها لتطوير النظام . ولا تبدي برلين حماستها حيال الرئيس المكلف سعد الحريري على غرار باريس، لكنها لا تعارض عودته الى السرايا على اساس ان هذه المسألة لبنانية داخلية، لكنها تطرح ملاحظات وانتقادات لعمل الحكومات اللبنانية ومقارباتها والتي لم تعمل كما يجب ولم تستفد من المؤتمرات التي عقدت في باريس واكثر من عاصمة اوروبية وعربية. ويذكر ان المانيا هي ثالث مانح للاجئين السوريين في لبنان والمنطقة بعد اميركا والاتحاد الاوروبي.

في غضون ذلك، ثمة مسألة لا تغيب عن حسابات الالمان في النظرة الى لبنان، وهي كيفية تعاطيهم مع “حزب الله”. وسبق لبرلمانهم “البوندستاغ” ان أصدر توصية قبل أشهر تدعو الى حظر اي نشاطات للحزب على الاراضي الالمانية، وهي ليست ملزمة للحكومة، لكن وزير الداخلية هورست زيهوفر تعاطى مع هذه التوصية على أنها قرار، الى درجة انه عمد الى الطلب من الشرطة منع نشاط جمعيات دينية وخيرية لبنانية من العمل خشية ان تجمع اموالاً لمصلحة الحزب، وهي في الاساس تمارس نشاطات دينية واجتماعية وما زالت على هذا المنوال، ولا تقوم بنشاطات سياسية. ولم توفر اسرائيل اي فرصة لتشويه صورة الحزب في المجتمع الالماني.

كما ان وزارة الداخلية الالمانية لم تصل الى حالة تصنيف الحزب في خانة الارهاب على عكس موقف البريطانيين الذين يلتقون ويتماهون مع الاميركيين في هذا الموقف. وفي المناسبة فإن افراد الجالية اللبنانية لا يرفعون شعارات الحزب ولا حتى صورة السيد حسن نصرالله، الا ان السفير الاميركي في برلين ريتشارد غرينيل الذي تسلم قبل اشهر مهمة القائم بأعمال مدير الاستخبارات الاميركية والمقرب جدا من ترامب، بذل جهداً كبيراً داخل المانيا والاتحاد الاوروبي لوضع الحزب في دائرة الارهاب. ولم تجارِه برلين في هذا الطلب لأنها لا تريد ان تخالف الفرنسيين الذين يحرصون على الابقاء على قنواتهم مع الحزب بدءاً من الرئيس ماكرون. ونشطت الادارة الاميركية على خط مجموع اعضاء الاتحاد الاوروبي الـ 27 لتصنيف الحزب ارهابياً، وكان “الفيتو” الفرنسي يقف بالمرصاد. ولم يصل القرار الالماني حيال الحزب الى درجة حكم الاعدام السياسي.

وامام تعاطي المانيا مع لبنان يطرح سؤال على ديبلوماسيتها: اين تقف من سياسات فرنسا واميركا؟ ويأتي الجواب من جهات ديبلوماسية بأن برلين تقف في خط الوسط وان كانت تميل الى باريس اكثر لأسباب أوروبية. وكانت الادارة الالمانية قد عبّرت عن ارتياحها لوصول المرشح الديموقراطي جون بايدن الى البيت الابيض بعد تجربة صعبة للمستشارة انغيلا ميركل التي اختلفت وتشاجرت اكثر من مرة مع الرئيس ترامب، وتنتهي ولايتها في خريف 2021.