//Put this in the section //Vbout Automation
ديانا فاخوري تدرس عرضين

إعلاميون لبنانيون يغادرون مراكز عملهم بالجملة.. هجرة سعياً وراء العيش الكريم!

تتفاقم الأزمة الاقتصادية الحادة يوما بعد يوم في لبنان، إلى حد دفع بأصحاب مهن كثيرة إلى الهجرة.

الإعلام أخذ نصيبه أيضاً، فشهد مغادرات بالجملة من قبل وجوه تلفزيونية أحبها المشاهد اللبناني، وتعلق بإطلالتها اليومية عبر شاشته الصغيرة، وفي نشرات الأخبار.




جيزيل خوري ونديم قطيش، شكلا أول فلول المهاجرين من الإعلاميين إذ التحقا بقنوات تلفزيونية خارج لبنان. وخلال الأسابيع الأخيرة انضمت إليهما لائحة أسماء طويلة حزمت أمتعتها وغادرت مراكز عملها بعد سنوات طويلة من العمل. والسبب الأساسي الذي دفع بهؤلاء لاتخاذ مثل هذا القرار هو واحد: تأمين لقمة عيش كريم. فمداخيلهم شهدت تراجعاً ملحوظاً في ظل تراجع سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي. وأجورهم التي كانوا يتقاضونها بالعملة الصعبة أصبحوا يحصلون على نصفها… وبالليرة اللبنانية.

توالت الاستقالات لإعلاميين بارزين كثر تقدموا بها إلى مدرائهم. والتضحية بأكثر من 30 سنة خبرة – أكثر أو أقل -، كان الحل الوحيد بالنسبة لهم لتجاوز هذه الأزمة. وكما فعل بسام أبو زيد وليال الاختيار وريما عساف من قناة «إل. بي. سي. آي.»، كذلك عمد كل من جورج عيد وديانا فاخوري من محطة «إم. تي. في». إلى تقديم استقالتيهما، فغادر الأول لبنان إلى قبرص سعيا وراء تأمين حياة هانئة لعائلته. والثانية ارتأت التحول إلى «صوت بيروت» لبداية مشوار مهني جديد. وبقيت قلة قليلة من هذا الرعيل المخضرم محافظة على مواقعها بانتظار تلقيها عرضاً مغرياً أسوة بزملائها.

اللافت هنا أن أصحاب هذه المحطات لا يقفون حاجزاً أمام رغبة إعلامييهم، لا بل يباركون لهم قرارهم. ثم إنهم يتركون لهم فسحة أمل بالعودة إلى أحضان مؤسساتهم. ذلك أنهم يعتبرون هذه المغادرات بمثابة انفصال مؤقت أو عطلة طويلة الأمد. وبالتالي، سيرحب بالمغادرين بهم في مقراتهم السابقة في حال غيروا قراراتهم. أما السبب فهو أن الصروح الإعلامية تتفهم هجرة إعلامييها، إذ أنها بمعظمها تعاني بدورها من ضائقة مالية كبيرة. ذلك أن تراجع نسبة الإعلانات أدى إلى تراجع أرباحها بشكل ملحوظ. ومن باب الحفاظ على ماء الوجه، فإنها تحاول تمرير هذه الفترة بأقل خسائر ممكنة. في حين لجأ بعضها إلى التمويلات السياسية تحت عنوان «ادعمني أدعمك» كي تستطيع البقاء والاستمرار.

ليال الاختيار، التي ودعت متابعيها في نشرات الأخبار والبرامج السياسية على قناة «إل. بي. سي. آي». أخيراً التقتها «الشرق الأوسط»، وأوضحت ليال «أن محطات التلفزة المحلية بشكل عام، تعاني من أزمات مالية تنعكس سلباً على العاملين فيها. فظروف العمل تحت ضغوط كثيرة تولد لدى الإعلامي حالة إحباط. أنا شخصياً كنت اتخذت قراري بترك عملي والتفرغ لعائلتي الصغيرة، حتى قبل أن أتلقى عرضاً من تلفزيون «الحرة». لقد شعرت بالتعب وصارت حياتي المهنية تدور في دوامة صعبة تفقدني التركيز على أمور حياتية أخرى. كل هذا القلق الذي كنت أعيشه دفعني إلى القبول بالعرض، ولم لا؟ خصوصاً وأنني سأعمل في «الحرة» انطلاقاً من بلدي لبنان». وأضافت قائلة «هناك شعور كبير بالحزن يساورنا كإعلاميين، خصوصا عندما ترين زملاء محترفين يودعونك ويغادرون إلى مصير جديد. هذا الفراغ الذي يخلفونه وراءهم، سيما وأن غالبيتهم تحترف وتتقن العمل الإعلامي، يولد مرارة في قلوبنا. وأنا شخصياً أخاف من إفراغ الساحة الإعلامية من أربابها يوماً بعد يوم. ثمة إعجاب بالإعلامي اللبناني لأنه يمارس عمله باحتراف ولديه خلفية اجتماعية وسياسية واسعتان، لا يملكها إلا من عاصر أزمات متراكمة مثلنا. لكن، هناك برأيي إفلاس فكري نعاني منه، يسبق الإفلاس المادي الذي يعتقد البعض أنه السبب الأول لهذه الهجرة. إننا نخسر طاقات كثيرة نحتاجها، إذ أن صحافي اليوم لا يشبه من سبقه بحرفيته».

متحمسة ليال الاختيار لممارسة مهمتها الجديدة، كمقدمة برنامج سياسي على قناة «الحرة» من مركزها في لبنان. وهنا تعلق «لقد فكرت ملياً قبل إقدامي على هذه الخطوة، ولكن في النهاية وجدت فيها إيجابيات عدة تضاف إلى كوني باقية في بلدي، وتؤمن لي مدخولاً جيداً. فهي ستأخذني إلى مجال حواري أوسع يطال بلداناً عربية عديدة، فلا يكون مجالي ضيقاً يدور ضمن تفاصيل صغيرة اعتدناها في برامجنا المحلية».

– تعبير «الفريش ماني»

«كلمة السر» التي تدفع بإعلاميين كثر إلى التخلي عن مواقعهم هي الـ«فريش ماني» (العامل المالي). فكل ما يحكى عن عروض مناسبة، وأخرى تفتح أمامهم مجالات واسعة يبقى فيها العنصر المادي هو الأساس، ويلعب الدور الأكبر في اتخاذهم قراراتهم بالهجرة أو العمل في محطات تمول من الخارج. فالأوضاع التي يعيشها لبنان على الصعيد الاقتصادي، سرعت في انتشار الظاهرة. والذي سنحت له الفرصة وتلقى العرض المطلوب غادر ولم يعد. أما من بقي في موقع عمله في ظل عجزه عن تأمين فرص أفضل، فقد تلقى تعويضاً معنوياً من إدارته. وبالفعل، عمد بعض المحطات إلى استحداث برامج جديدة على شاشاتها لرفع شأن مراسلي نشرات الأخبار بحيث يدخلوا في لعبة الحوارات السياسية من بابها العريض.

قناة «نيو تي. في.»، مثلاً، استحدثت برنامجاً يومياً تعرضه بعد ظهر كل يوم بعنوان «هنا بيروت» أتاح لعدد كبير من مراسليها بالانتقال من مهمة النقل المباشر على الأرض إلى إجراء حوارات سياسية مع ضيوفهم داخل الأستوديو. وفي قناة «إل. بي. سي. آي». اتبع الأمر نفسه، فدخلت على خط برنامج «نهاركم سعيد» الحواري السياسي الصباحي، عناصر إعلامية جديدة تمثلت بعدد من مراسلات نشرات الأخبار، وفي الاتجاه نفسه قررت «إم. تي. في». عبر برنامج «أخبار بيروت» الذي يصب في الخانة نفسها.

وهنا تعلق ديانا فاخوري، مذيعة نشرات الأخبار في «إم. تي. في». التي تستعد للعمل في صرح إعلامي آخر هو «صوت بيروت»، فتقول شارحةً «هذا النوع من التعويضات لا يغريني، فأنا لست باحثة عن الشهرة أو الانتشار بعد كل التجارب الإعلامية التي عشتها. إذ لا يمكنني أن أقوم بأي مهمة إعلامية في قناة «إم. تي. في». أو غيرها من دون لقاء مادي مناسب. وقراري في الانتقال إلى صرح إعلامي جديد يأتي بدافع التغيير وتطوير مهنتي». وتضيف «بالتأكيد العنصر المادي يلعب دوراً كبيراً في ظل أزمة اقتصادية نعيشها، ولكن وضعي يختلف… وكل ما أرغب به هو مستقبل آمن. في لبنان لم تعد توجد أفاق واسعة نتحرك في مجالها كإعلاميين. ولدي اليوم عرضان مختلفان أحدهما هو موقع «صوت بيروت» الإلكتروني، وآخر يخص إحدى القنوات المحلية… ولكنني لن أتخذ قراري النهائي قبل أن أدرسهما بتأن». من ناحية ثانية، تعترف فاخوري بأن الإعلاميين المحترفين لم يعد لهم مكان في لبنان. إذ تقول بألم «الأكثرية العاملة غير محترفة… ولا موضوعية ولا مهنية. ومنهم من يستخدم الوسيلة الإعلامية للاستفادة الشخصية. الشروط القاسية التي كانت تمارس علينا، كانت تسهم في بناء إطلالة إعلامية راقية وموضوعية… لكننا بتنا نفتقدها اليوم. الخطر الأكبر في ممارسات المؤسسات الإعلامية يأتي من فتحها للجيل الجديد مجال الوصول بسرعة». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن من الإعلاميين اللبنانيين الذين سيلتحقون بالموقع الإلكتروني المرئي «صوت بيروت»، إضافة إلى عملهم الأساسي في مراكزهم، مذيع نشرات الأخبار في «إل. بي. سي. آي». ماريو عبود والإعلامي طوني خليفة من قناة «الجديد».

غير أن أحد أبرز الانتقالات كان انتقال الإعلامي بسام أبو زيد، أحد وجوه الشاشة المعروفة في لبنان الذي غادر «إل. بي. سي. آي». إلى قناة «الحدث» في دبي. أبو زيد ترك تاريخاً صحافياً عريقا عمره 30 سنة وراءه ليلتحق بمهمته الجديدة. وخلال حديث مع «الشرق الأوسط» قال: «بالنسبة لي قراري بترك «إل. بي. سي. آي». كان صعباً علي… كمن يترك بيته الذي تربى وكبر في ظلاله. ولكن أسبابا عدة دفعتني لذلك، بينها الوضع الاقتصادي المتأزم في لبنان، الذي انعكس سلباً على تأمين ضروريات الحياة لعائلتي. ثم إن التجربة الإعلامية التي سنحت لي من خلال هذا العرض كانت كفيلة بأن تدفعني لأخذ قراري بمغادرة لبنان إلى دبي. هنا آفاق العمل بالنسبة لي أوسع وأكبر، وتأخذ منحى إعلامياً مغايراً يوسع من خبراتي، ويسمح لي بمزاولة عملي من زاوية مختلفة غير محلية. وهذه النقلة أتطلع إليها من زوايا مختلفة، وليس من باب يخصني وحدي. فدولة الإمارات العربية بلاد الفرص، ويمكن أن ينعكس ذلك إيجاباً على أولادي في المستقبل، ويستقرون بدورهم فيها، فيما لو تلقوا عروض عمل مناسبة».

وحول وضع الإعلام اللبناني، الذي تركه خلفه، قال أبو زيد أنه لا يمكنه التكهن بما ستواجهه الساحة الإعلامية في لبنان في المستقبل القريب. واستطرد «إنها ترتبط ارتباطاً مباشراً بأوضاع لبنان. إذ يوجد تراجع نشهده على الصعيدين المعيشي والاجتماعي وكذلك التحاوري. أما مصادر التمويل فتشهد ضيقاً يوماً بعد يوم، وهو ما سينعكس سلباً على أهل الإعلام الذين في رأيي سيواجهون مشكلات كثيرة في المستقبل. العمل الصحافي في لبنان أصبح صعباً في ظل الفلتان الأمني والاجتماعي الذي نشهده. كذلك، فإن موقع الإعلامي صار مهدداً بالتعرض له بالقدح والذم وحتى بالضرب، ولا من يحاسب. كل هذه الأمور تدفع بالإعلامي إلى التوقف عندها، وتقديم خياراته المهنية على العاطفية. وأنا شخصياً أشعر بالراحة في عملي الجديد، وفي توسيع رقعة ممارستي للمهنة».

الشرق الأوسط