//Put this in the section //Vbout Automation

تحرَّك القضاء بعينٍ واحدة… متى يفتح العين الثانية؟

سركيس نعوم – النهار

قرار فتح ملف الفساد في لبنان ومحاسبة ممارسيه على اختلاف مستوياتهم ورغم انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والحزبية والسياسية يُرحّب به اللبنانيون على تنوعهم وتناقضهم رغم اختلافاتهم العميقة جداً التي حالت دون توحّدهم في مواجهة المنظومة السياسية الشاملة المسؤولة الأولى عن أوضاعهم الحالية البالغة التعاسة لا بل عن قرب انهيار دولتهم بغالبية مؤسساتها الرسمية واقتصادهم ومصارفهم وعملتهم الوطنية ووحدتهم “المزيّفة”.




لكنهم تساءلوا كثيراً بعد تحوّل “سلحفاة الدولة” وقضائها المعروفة بالبطء الشديد في تحرّكها “أرنباً” معروفاً بسرعته ومبادرتها الى الإحالة الى القضاء مجموعات عدّة من المتهمين بالفساد متنوّعي الانتماء السياسي والطائفي والمذهبي والحزبي، تساءلوا إذا كانت نية هذه الدولة وتحديداً رؤسائها الثلاثة وفي مقدمهم العماد ميشال عون ونية الدولة الرابعة غير الرسمية صاحبة الكلمة الأولى فيها صافية، واذا كان هدفها تطهير الدولة فعلاً من الفساد ومعاقبة ممارسيه مهما علت رتبهم والمواقع وتنوّعت الانتماءات وحماياتها القوية عادة. طبعاً لم ينبع التساؤل المذكور من موقفٍ سلبي مسبق من الرؤساء المشار إليهم، بل نبع من أمرين الأول عودة القوة الى القاضية غادة عون بعد فترة قصيرة ظنّ من يعتقدون أنها تستهدفهم لمواقفهم المناهضة لرأس الدولة و”تياره” أن القضاء بمجلسه الأعلى كما بناديه قد نجح لا في إبعادها أو تقليص حركتها بل في دفعها الى الهدوء في انتظار مرور العاصفة (أي عاصفة؟) واتخاذ أصحاب القرار “القرار” بمواجهة أخصامهم ومنافسيهم السياسيين بتهمة الفساد.

يبدو أن قراراً كهذا قد اتخذ لكن إعلانه رسمياً لا يحتاج الى نص خاص تنشره وسائل الاعلام بل الى إحالات واستدعاءات مهمة والى تكاثر الشائعات عن إجراءات مماثلة لاحقاً. الأمر الثاني استهداف أميركا بعقوباتها رئيس “التيار الوطني الحر” الذي أسّسه عون النائب جبران باسيل جرّاء تمسّكه بالتحالف مع “حزب الله” وعبره مع إيران الإسلامية اللذين تعتبرهما واشنطن وتحديداً إدارة ترامب الرئيس المشارفة ولايته على الانتهاء العدوّين الأكبرين للولايات المتحدة وحليفتها الاستراتيجية الأولى في الشرق الأوسط إسرائيل. وقد أحرج الاستهداف الرئيس المؤسّس لـ”التيار” وخلفه فيه لأنه أثار ومن دون أي شك ورغم الموقف الجريء والشجاع الذي اضطر الى أخذه، حفيظة هذين الحليفين المذكورين. فاضطر الرئيس وربما للمرة الأولى الى ذكر مواقف محدّدة متعاطفة معهما في كلامٍ رسمي له أخيراً. مع أنه كان يمتنع عن ذلك سابقاً اقتناعاً منه بضرورة طمأنة الحليفين هذين وإزالة أي شكوك لهما ليس فيه، إذ كان دائماً ضمانة استراتيجية لهما بحسب تصريحات قادة الحزب، بل بباسيل الذي دفعته شهوة الوصول الى الرئاسة المماثلة لشهوة عمّه الى محاولة التواصل مع قنوات نافذة جداً متعادية مع بعضها. أثار ذلك في حينه طبعاً قلق “الحزب” وحليفته الاقليمية ودفعهما الى “المتابعة” الشديدة والتقصّي الحذر والدقيق. طبعاً يلقى الآن الرئيس عون أقصى درجات الإشادة والمديح من “الحزب” ومن السياسيين والإعلاميين ووسائل التواصل الاجتماعي القريبين منه. إذ أن الحاجة الى استمرار “التفاهم” لا تزال قائمة في ظرف بالغ القصوى. لكن ذلك لا يلغي دائماً الحذر ومتابعة الاستعلام والتقصّي. فذلك صار طبيعة لتلافي أي ضربة مفاجئة أو موقفٍ مؤذٍ.

كي لا يبقى الكلام عاماً يشير اللبنانيون الشكّاكون في دوافع الاصلاحات القضائية المستعجلة الأخيرة الى أنها استهدفت جهات معادية أو مخاصمة لعون وصهره و”تياره” ولحليفه “حزب الله”. أبرزها الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط (وزارة المهجرين) والرئيس نجيب ميقاتي (شراء أولاده شققاً بقرض من مصرف خاص) والمرشح الرئاسي الدائم سليمان فرنجية (المنشآت النفطية والمحروقات). لا تعني هذه الإشارة أن هؤلاء غير مشاركين في فساد ضرب البلاد قبل الحرب وتفاقم في أثنائها وصار بعد انتهائها قاعدة للحكم، ولا سيما بعد ما انتظم ممارسوه ورعاته وهم قادة الطبقات السياسية القديمة والجديدة في تحالف غير رسمي دفاعاً عن مصالحهم واستمرارها، وإن أدى ذلك الى عودة الحروب والفوضى والفقر والجوع. بل يعني أن الإحالات القضائية لم تستهدف الى هؤلاء المسؤولين عن فشل من حكموا قطاع الكهرباء والطاقة في مهمتهم وعن تكبيدهم الدولة خسائر بعشرات مليارات الدولارات الأميركية. علماً أن مساءلتهم ضرورية لمعرفة كيف أُهدرت هذه المبالغ.

فضلاً عن أن من حق الناس التساؤل عن السبب الذي دفع أنجال ميقاتي الى شراء منازل لهم بواسطة قروض مصرفية رغم ثروتهم الضخمة وقدرتهم على تأمين المال من مصادر أخرى. لكن من حقهم التساؤل أيضاً إذا كانت ملاحقتهم قانونية أي إذا كانوا فعلاً خرقوا القوانين الوضعية بعد خرقهم ربما القواعد الأخلاقية. في هذا المجال يتساءل اللبنانيون إذا كان الرئيس سعد الحريري مع محيطه السابق والحالي سيُستهدف قضائياً لاحقاً إذا وصل خلافه مع سيد قصر بعبدا الى طلاقٍ نهائي. ويتساءلون إذا كان “حزب الله” الذي لا يبدو أن الحريري يواجهه اليوم سيؤيّد مساءلته ومحيطه. والجواب هو كلا على الأرجح. لكن تحوّل علاقاتهما الجيدة ربط نزاع الى السوء قد تجعله لا يمانع في ذلك. علماً أن “حزب الله” يتحسّب اليوم لشقيقه الأكبر بهاء الحريري الذي بدأ يتحرّك على الساحة اللبنانية بقوّة، وبمواقف منتقدة لتساهل شقيقه الرئيس المكلّف تأليف الحكومة. ربما لهذا السبب ولأسباب أخرى لوّح “الحزب” بإقامة الدعوى عليه بغض النظر عن صحة جوهرها أو لا. فالحريريون وخصوصاً في أوساط السنّة يستطيع بهاء استقطابهم جمهوراً وسياسيين لأن قسماً مهماً منهم أصابهم شقيقه بالإحباط. فهل الهدف الآن وقف تحرّكه الذي اتخذ شكلاً إعلامياً وسيتخذ قريباً شكلاً تنظيمياً، ومنعه من الإفادة من علاقات خارجية عربية ودولية مهمة؟

ماذا عن المساءلة القضائية في قضايا المصرف المركزي والمصارف الخاصة وتبخّر أموال المودعين؟ وهل ما يجري على الصعيد “الإداراتي” والمؤسساتي في الدولة هذه الأيام سيفتح طريق وضع جديد لا علاقة له بالدستور والأنظمة والقوانين واتفاق الطائف؟ وهل ينجح قضاء غير مستقل في دولة فاسدة بشعبها ومنظومتها السياسية كلها؟ وهل يمكن أن يقوم قضاء مستقل في دولة كهذه؟

ملاحظة: غاب اسم الزعيم الوطني كمال جنبلاط من دون قصد عن مجموعة الزعماء اللبنانيين من أصحاب القامات الكبيرة والجدية الذين ورد ذكرهم في “الموقف هذا النهار” يوم أمس. فعذراً.