//Put this in the section //Vbout Automation

اللجوء إلى الرواية – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

في ظل تطورات الأحداث غير المتوقعة لسنة 2020 العجيبة والاستثنائية، لجأ الناس وبكثافة غير مسبوقة لعوالم الرواية الخيالية، لمحاولة التعبير عن مشاعرهم، وقراءة تفاسير موازية لما يحصل. فمع انطلاق الأخبار الأولية عن جائحة «كورونا»، زاد الطلب على روايات عن الأوبئة والطاعون الأسود، ولعل أشهرها رواية « الطاعون»، للأديب الفرنسي، الفائز بجائزة نوبل للآداب ألبير كامو، والرواية الثانية كانت لرائد أدب أميركا اللاتينية وساحر روايتها غابرييل غارسيا ماركيز، في تحفته المشهورة «الحب في زمن الكوليرا».

يقولون في حق الرواية اليوم، إن أدب الرواية، هو الكتابة الواقعية الجديدة، لأنك باختصار تستطيع أن تقول في طرحك الروائي ما لا تستطيع قوله بشكل مباشر وذلك لأسباب مختلفة. ونالت رواية «الجريمة والعقاب» للكاتب الروسي الفذ فيودور دوستوفيسكي، الاهتمام المستجد أيضاً نظراً لما تقدمه هذه الرواية العظيمة من غوص عميق ودقيق في تقلبات النفس البشرية المعقدة، والصراع الهائل والكبير، والمستمر بين قوى الخير والشر، وأثر كل ذلك على الإنسان وقراراته. والعزلة التي جاءت كأحد أهم الآثار الجانبية لتفشي جائحة (كوفيد – 19)، جعلت من رائعة الأديب الكولومبي ماركيز «مائة عام من العزلة» مصدر راحة وإلهام، وكذلك الأمر بالنسبة لرواية عبقري الرواية الأميركية ألكسندر هيمنغواي «العجوز والبحر».




وفي هذه الجائحة المؤلمة كان الأثر الاقتصادي السلبي واضحاً على الجميع، ولكل العالم.

كما تقدم الرواية العظيمة «عناقيد الغضب» للأديب الأميركي الكبير جون ستاينباك، التي يروي فيها معاناة أسرة أميركية، وهي تواجه تداعيات الكساد الاقتصادي العظيم، الذي أصاب الولايات المتحدة في الثلاثينات من القرن الماضي… المعاناة الإنسانية من النواحي الاقتصادية بشكل مدهش ومثير، من الممكن وبسهولة شديدة جداً أن يتفهمها ويتفاعل معها كل سكان الأرض.

ولعل المأساة والمعاناة التي تسيطر على العالم، تستحضر أعمال الكاتب التشيكي فرانز كافكا وتحديداً روايته الخالدة «التحول»، حيث تسيطر حالة القبح الجديد، على حال البطل بعد تحول حاله. وطبعاً في ظل التحولات الكبرى التي أصابت علاقة الحكومة بالمواطن، وإحكام السيطرة على حياته، بداعي حمايته، أصبح الإقبال على رواية الكاتب الإنجليزي المشهور جورج أورويل «1984» إقبالاً أشبه ما يكون بالأسطوري، نظراً لتوقع الرواية بشكل استباقي ومدهش للعالم الذي نعيشه اليوم، وذلك بالرغم من كتابتها في الأربعينات الميلادية من القرن الماضي.

الرواية والخيال، تصف لنا بكلمات مليئة بالمعاني والحِكم وفي سرد من العالم الموازي للواقع الذي نعيشه بشكل مقنع وعميق وأكثر صدقاً من أي شرح يطلق عليه اسم «حقيقي» أو «واقعي» لأنهما في حقيقة الأمر فقدا الاستقلالية والموضوعية والأمانة، وبالتالي لا يمكن أن يعول عليهما. العالم اليوم يبحث عن إجابات وشروحات لتجيبه عن أسئلة كثيرة ومعقدة وغير مسبوقة… إجابات الغرض الأساسي منها هو الطمأنينة وراحة البال، في ظل الحيرة والقلق والشك والخوف المسيطر والمهيمن على عقول وأذهان الجميع. وإحدى الوسائل التي لجأ إليها الناس، كان أدب الرواية لما فيها من إجابات بدت كافية ووافية لعدد غير بسيط من الناس. ولكن هناك شريحة أخرى من الناس تبحث عما يغذي الأمل في صفحات الأدب، وتبحث عما يزهر الجمال في العقول والقلوب… تبحث عن شموع تنير الظلمات الحالكة، وعن الكتب المليئة بالنهايات السعيدة، لأن العالم في حاجة ماسة لنهاية مفرحة ومبهجة وسعيدة جداً لقصة جائحة «كوفيد – 19» البائسة.

وصفت الرواية ذات يوم في إجابة بليغة عن سؤال لشرح أهميتها، ومعناها أنها صرخة إنسان مدوية تقول للعالم إنه موجود ويعاني ويخاف ويحلم ويتأمل، وبالتالي هي ترجمة لكل مشاعره المتضاربة والمعقدة والمتشابكة.

السنة لم تنتهِ بعد، والجائحة لم يتم القضاء عليها حتى الآن، وعالم الرواية خصب جداً وغني للغاية، وبه من المؤلفات المختلفة التي بإمكانها وبكل سهولة وأريحية تقديم الإجابات لأسئلة جديدة ومختلفة.

في رواية شيخ الأدباء باللغة الإنجليزية شكسبير المعروفة «هاملت» يطرح الكاتب تساؤلاًعلى لسان البطل فيه مجمل القصة عندما قال: « أكون أو لا أكون… هذا هو السؤال». باختصار العالم يواجه اليوم نفس السؤال.