هل لدى عون والحريري مصلحة في تشكيل الحكومة؟

سابين عويس – النهار

يقترب الشهر الثاني على تكليف الرئيس يعد الحريري #تأليف حكومة جديدة من الانقضاء، ولا تزال مشاورات التأليف تدور في مربعها الاول، يخرقها بين الحين والآخر بث اجواء عن زيارة مرتقبة للرئيس المكلف الى قصر #بعبدا لتقديم تشكيلة حكومته. تحصل الزيارة ويتم التشاور من دون ان يفضي الى ولادة حكومية، كما هي الحال الآن امام ما تردد عن زيارة مرتقبة للحريري الى بعبدا اليوم، حتى بات الاقتناع تاماً لدى اكثر من مرجع سياسي ان الولادة الحكومية لا تزال بعيدة المنال، وان حظوظ حصول خرق باتت ضعيفة جداً، سيما وان القرار الحكومي لم يكن ولم يكون في يد الداخل، والخارج صاحب القرار بات ينظر بتعب الى هذا الملف، ولا يشكل اولوية جدية على اجنداته المزدحمة بالاستحقاقات.




وفي حين يتقاذف الداخل مسؤولية التعطيل بين ركني التأليف العلنيين، اي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، بحيث يرمي الواحد كرة التعطيل في ملعب الاخر، فإن الحقيقة التي يراها اكثر من مرجع داخلي بعين الواقعية والتجرد تكمن في رغبة مشتركة، او الاصح مصلحة مشتركة للفريقين بالتأخير، كلٌ وفق حساباته الخاصة التي لا يجمع بينها أي قاسم مشترك الا تأجيل ولادة #الحكومة.

فرئيس الجمهورية ورغم ادراكه التام الحاجة الملحة لحكومة تنقذ ما تبقى من عمر العهد، يعي في المقابل ان أي حكومة ستولد اليوم لن تكون بشروطه ومعاييره التي رفع سقفها عالياً رئيس تياره الوطني الحر جبران باسيل. وهو يدرك كذلك وان كان لا يعترف بذلك ان عهده انتهى عملياً ولم يعد ثمة ما يمكن انقاذه. فالبلد افلس وشعبه جاع واقتصاده انهار، وحدوده في عزلة تامة عن محيطه والخارج. ولم يبق امامه اي نافذة مفتوحة على حل في ظل الشروط التي احاط عهده بها والتحالفات التي راهن عليها. ولم يعد لديه اي فائدة او امكانية لتعويض ما خسره طوال ولايته. لذلك، لم يعد يرى مصلحته الا بالتفاوض على ما تبقى، وتحسين الشروط اذا امكن، بحيث لا يكون مهمشاً في اي حكومة قد ترى النور بشروط واشنطن من جهة والمبادرة الفرنسية من جهة اخرى.

حال الحريري ليست افضل. يحيط نفسه بصمت مطبق، لكنه في الواقع ليس الا هروب الى الامام. دائرة الحلفاء ضاقت كثيراً، ولعل الحليف الوحيد اليوم من خارج دائرة “المستقبل” الضيقة هو حاكم #المصرف المركزي الذي بات في دائرة الاستهداف الجدي ليس فقط في الداخل. زيارة باريس لم تساعد الحاكم كثيرًا في ظل المطالبات الحثيثة بالحسابات والمستندات. وقد سلط تحقيق صادر في صحيفة “Les Echos” قبل يومين الضوء على هذا الموضوع. فتحت عنوان “مصرف لبنان يتراجع عن تقديم حساباته” قالت الصحيفة ان المصرف المركزي اللبناني يركز جهوده لتجنب الامتثال لمراجعة حساباته التي يطالب بها المودعون اللبنانيون والمجتمع الدولي (..).

في الموازاة، يواجه الحاكم اليوم في الاجتماع الذي دعا اليه رئيس حكومة تصريف الاعمال آراء مختلفة ومتناقضة حتى حيال مسألة رفع الدعم او عدمه والآليات الممكن اتباعها للحفاظ على ما تبقى من الاحتياطات الالزامية لديه وعدم المس بآخر ما تبقى للمودعين من اموال في المصارف.
يسعى حسان دياب في الوقت الضائع الى تسيير الامور الطارئة وان متأخراً بعدما ايقن هو ايضاً ان الحكومة الجديدة بعيدة المنال. لكنه في المقابل، لم يذعن لرغبة رئيس الجمهورية في تعويم حكومته، وتوسيع صلاحيات تصريف الاعمال. وهذا امر يريح الحريري ويزيد الضغط على الرئاسة في ما تبقى من الولاية. من دون اغفال ان عدم وجود حكومة فاعلة وبرئاسة الحريري يخفف الضغط الناجم عن ملفات الفساد المتفجرة فصولاً، كما عن مسألة التدقيق الجنائي الذي يبقى من دون مظلة سياسية حامية له.

في الحصيلة، يراهن الحريري على عاملين: ان يتعب رئيس الجمهورية من المعاندة، فيرضخ للصيغة الحكومية المقترحة وفق المبادرة الفرنسية، وان يذهب الفرنسيون بالضغط اكثر من اجل انقاذ مبادرتهم. لكن ما يراه الحريري ان لا عون يملك الكلمة الفصل بالملف الحكومي في ظل عدم رغبة “حزب الله”، الحليف الاقوى والاقدر بحكومة حالياً ولا الفرنسيون يمكنهم الضغط اكثر.

واليوم، وفي ظل المعلومات عن توجه جدي لرفع تدريجي للدعم عن السلع الاساسية ولا سيما المحروقات، مقابل تقديمات مالية يجري درسها للسائقين وللاسر المحتاجة، تنتقل البلاد الى مستوى جديد واخطر من مستويات الانهيار. وهذا المستوى يهدد في شكل جدي الاستقرار الاجتماعي الهش اساساً ويقذف كرة النار في وجه كل من يعتقد انه لا يزال في منأى عنها، وانه قادر بعد على اللعب على الوقت، فيما هامش المناورات يضيق اكثر ويهدد بالانفجار الوشيك.