رئاسة الحكومة: موقعٌ سائب يُعلم الناس الحرام

قاسم يوسف – أساس ميديا

حين تأسس المجلس الأعلى للدفاع، كانت مهمته محصورة بتنفيذ السياسة الدفاعية التي يُحددها مجلس الوزراء، لا أن يصير بديلاً عنه وعن كل المؤسسات الدستورية في البلد، ويتحول بالتالي إلى مرجعية شاملة وبصلاحيات شبه مطلقة، وإلى أداة يستخدمها رئيس الجمهورية لاتخاذ القرارات خلافًا لأي نص قانوي أو دستوري، وهي قرارات تبدأ بتكليف الأمانة العامة لمجلس الوزراء استكمال مشروع قانون لتشركة مرفأ بيروت لعرضه على مجلس الوزراء فور جهوزه. ولا تنتهي بالإيعاز إلى وزير الأشغال ووزير الداخلية ووزير المالية، وعبره إلى البلديات، لاستكمال تنظيف المجاري والأقنية والأنهار تزامنًا مع حلول فصل الشتاء!




يريد ميشال عون عبر كل هذا التجاوز أن يُسجّل حضوره على السجية التي يستسيغها، تمامًا كما لو أنه لا يزال رئيسًا للحكومة العسكرية في أواخر الثمانينات، ضاربًا عرض الحائط كل الصلاحيات وكل المواقع الدستورية، ومستعيضًا عنها بمجلس شبه عسكري لإدارة كل شؤون البلاد، حيث أن المجلس المسؤول عن تنفيذ سياسة الحكومة الدفاعية حصرًا، بات مسؤولاً عن أزمة كورونا وكل ملحقاتها، من التعبئة العامة إلى تأمين الأموال لشراء اللقاحات، ومسؤولاً أيضًا عن المرفأ وعن تأهيله ومستقبله، وعن تكليف وزير المال بتوزيع المستحقات للمتضررين جراء الانفجار، وصولاً إلى التدخل المباشر بتنظيف آخر ساقية وآخر مجرور في آخر قرية من قرى لبنان.

وإذا كان ميشال عون مزهوًا بهذه الصورة التي لم يتقن سواها طوال مسيرته السياسية، فالأجدى أن نسأل عن رئيس الحكومة المثلوم والغائب تمامًا عن تطوّرات باتت تمسّ جوهر مسؤولياته وصلاحياته، ضمن مشهدية تجاوزت وظيفته السياسية المركزية التي وصل إلى موقعه على أساسها، ليستحيل باش كاتبًا مهتمه التوقيع وهزّ الرأس بلا رأي أو موقف أو نقاش، وكأنّ رئاسة الحكومة باتت موقعًا سائبًا يُعلّم الناس الحرام.

لكنّ الضرب بحسّان دياب هو ضرب أيضًا من الحرام. كلّنا يعلم ظروف وصوله، وحيثيته، وقدرته، وشخصيته السياسية القائمة على الفراغ واللا شيء. وإن كان لا بدّ من توجيه رسالة لمن يعنيهم الأمر، فهي حتمًا لرؤساء الحكومات الغائبين،وللرئيس المكلّف الذي خضع مجدّدًا للابتزاز السياسي، وسقط عن سابق تصور وتصميم، نعم، عن سابق تصوّر وتصميم، في فخّ التكليف دون التأليف، فصار كمن قرّر أن يبتلع سكينًا حادًّا، لكنّ السكين أبى إلا أن يستوطن في حنجرته.

السؤال الأهم: هل عاد ينفع الكلام؟

لا أظنّ، ومعي كثرة كاثرة، أنّه كذلك. لكن لا بدّ من ممارسة دورنا الطبيعي في التنبيه ودقّ جرس الانذار، إذ لا يجوز أن تسلك العملية السياسية هذا المسلك الفظيع والمدمر، فيما نتفرّج جميعًا على تحلّل المؤسسات وسقوط الدولة الدستور، غير آبهين بأي شيء على الإطلاق.

وإذا كان موقع رئاسة الحكومة يشهد شغورًا هائلاً وغير مسبوق منذ سنوات، فالأجدى أن يسارع المعنيون إلى معالجة هذا الوضع على نحو عاجل، بدل التلهّي بالمعزوفة نفسها التي لم تعد تنطلي على أحد. فالحرص على البلد ومصلحته لا يمرّ بالانبطاح الكامل، ولا بتسويق التسليم والاستسلام باعتباره المتاح الوحيد في الظروف القائمة، فيما الحقيقة أنّ الرفض ممكن ومؤثّر، وأنّ المقاومة ورفع الصوت سيؤتي أكله حتمًا. هذا اللهم إن ترفعنا عن الأوهام بمساكنة ممكنة أو شركة متاحة، بهدف تحقيق بعض المكتسبات الشخصية التي لا تعدو كونها فتاتًا لا يُسمن ولا يُغنى من جوع.

ليبدأ التصويب الفوري والمكثّف على رئيس الجمهورية، وعلى مجالسه وأزلامه وسياسته، وليكن الرفض مطلقًا وكاملاً لكلّ ممارسته التي تتعارض مع الدستور وروحيته، ومع طريقة اتخاذ القرارات وعمل المؤسسات، وإلا فإّن المجلس الأعلى للدفاع وسواه من المجالس والبدع، ستتحوّل إلى ما يشبه حكم عسكري عشوائي يحكم البلد وفق المنهجية المدمّرة التي يستسيغها ميشال عون.

ليس من الحكمة السياسية ولا حجم المواجهة يسمح للرئاسة الثانية وحدها أن تتولى كل المواجهات والوساطات لتحل محل كل القوى السياسية بكفاءتها ووطنيتها ومحرّكها الذي لا يهدأ و”الصفات هنا منسوبة للرئيس نبيه برّي”. فمهما “عُرضت” أكتافه ومهما “عُتقت” حنكته، لا يقدر وحده على حِمل رئيسين بعقل واحد عنوانه “الدمار الشامل”.

يا دولة الرئيس، يا رؤساء الحكومات، أيها الحريصون على انتظام عمل المؤسسات، رئاسة الحكومة باتت موقعًا سائبًا، وهنا تمامًا أصل المشكلة وصلبها، والمطلوب منكم جميعًا أن تسارعوا إلى حلها وتطويقها، عاجلاً وليس آجلاً، عبر كلّ الطرق الممكنة أو المتاحة، وهي كثيرةٌ ووافرة، المهم أن تعقدوا العزم، وأن تترفّعوا عن الحسابات الشخصية، وأن تبادروا سريعًا إلى ممارسة دوركم وتحمّل مسؤولياتكم.

حان أوان المواجهة…