الحملة على ميقاتي: رفض الرئاسة 3 مرات.. ولم يدفع خوّة للأسد

فتحت مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون مجدداً، ملف التحقيق مع الرئيس نجيب ميقاتي. علماً أن التحقيق كان قد بدأ منذ فترة، لكنّ عون قررت التغيير في أساس الدعوى، والذهاب إلى استدعاء أبناء الأخوة ميقاتي للتحقيق هذه المرّة بتهمة تبييض الأموال، وذلك على خلفية أخذهم قروضاً مصرفية مدعومة لشراء منازلهم.

في هذه الدعوى لا يوجد أيّ شبهة حول مسألة تبييض الأموال، لأنّ الأموال التي حصل عليها أبناء ميقاتي هي عبارة عن قروض مدعومة تم دفع مبالغها لأصحاب العقارات التي تم شراؤها، وبالتالي لا شبهة تبييض. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ القضية مفتوحة منذ أشهر والتحقيق مستمرّ فيها، وقدّم ميقاتي ما لديه، ولكن الآن تأتي مدعية عام جبل لبنان لتغيير فحوى القضية القانونية.




أحد المراجع القضائية العليا في لبنان، لدى سؤالها عن الأمر، تجيب بأنّ “القضاء لم يعد سلطة مستقلّة، بل أصبح سلطة غبّ الطلب السياسي والمصلحة السياسية، وهناك قضاة يريدون فتح دكاكين لحساباتهم”. هذا الجواب وحده كافٍ لإجراء تدقيق قضائي في موازاة المطالبة بالتدقيق الجنائي.

ليست المرة الأولى التي تقوم غادة عون بمثل هذا الإجراء، علماً انها حاولت سابقاً الإدعاء في قضايا خارج نطاق صلاحياتها، وإصدار مذكرات توقيف بحق أشخاص خارج نطاق عملها في جبل لبنان. لكن في كلّ الأحوال، فإنّ عدداً كبيراً من القضاة باتوا يعتبرون أنّ غادة عون تتعاطى في قضاياها من جانب سياسي. هذه المرّة يتركز الاتهام على ميقاتي، الأمر الذي يقرأه كثيرون على أنّه ذو خلفية سياسية، لأسباب عديدة لها حساباتها المحلية والخارجية.

في الحسابات المحلية الكثيرة، فإنّ الضغط على ميقاتي بفتح مثل هذه الملفات، يأتي في سياق ممنهج لضرب كلّ القوى والشخصيات السياسية المعارضة لعهد عون، التي ترفض تقديم تنازلات. وعندما تم تكليف مصطفى أديب هدّأ رئيس الجمهورية معركته بوجه ميقاتي ورؤساء الحكومة السابقين، ولكن عندما رفضوا تقديم التنازلات التي يريدها مع حزب الله، عاد وكثّف هجومه عليهم.

يعتبر ميقاتي أن ردّة الفعل هذه متوقّعة ولكن لم يكن يتوقع أن يكون القضاء شريكاً فيها، فهو عرضت عليه رئاسة الحكومة ثلاثة مرات في الأسابيع الفائتة ورفض، وهذا أحد ردّات الفعل التي تًضاف إلى استياء عون وفريقه وربما حلفاء آخرين من اصطفاف ميقاتي إلى جانب رؤساء الحكومة السابقين، بعد محاولات لإغرائه ودفعه إلى الابتعاد عنهم، وبالتالي تشتيت الموقف السنّي.

استخدام أسلوب الضغط والابتزاز أصبح سمة واضحة من سمات العهد، سواء بتحميل مسؤولية الانهيار إلى طبقة سياسية كان التيار الوطني الحرّ شريكاً فيها وهو المقرر والمؤثّر في الدولة منذ العام 2011، إلا أنّه يستمرّ في رمي المسؤولية على تيار المستقبل والرئيس فؤاد السنيورة. بينما نجح في مرحلة معيّنة بتطويع سعد الحريري على قاعدة الترهيب والترغيب. ترهيب بفتح ملفات وترغيب من خلال عقد التسويات معه وتحصيل المكاسب كما حصل في السنوات الأربع الفائتة. وبينما لم تنجح الحملات مع السنيورة إلا لجهة إبعاده عن واجهة المشهد والتأثير، ينتقل الهجوم حالياً على ميقاتي على خلفية ملف قضائي يمكن للقضاء وحده أن يبتّ به، بدون أي تسييس أو حسابات سياسية.

في الشقّ المحلي أيضاً، تشير بعض المعطيات إلى أن الهجوم على ميقاتي وقيادات سنّية عموماً، وحاكم مصرف لبنان، يريد العهد من خلاله إخفاء الكثير من الملفات التي يمكن أن تفتح، وإشغال الرأي العام اللبناني بالقضايا التي يريدها العهد فقط. في إطار حملة ممنهجة يقودها عون وفريقه ضدّ اتفاق الطائف وما أتى به من نمو اقتصادي فيما بعد. مع الإشارة إلى أن تراجع الإقتصاد اللبناني بدأ بعد انقلاب حزب الله وعون على حكومة الحريري في 2011، وبعد استحواذهما على السلطة في لبنان.

هناك من يعطي أبعاداً أوسع من الحسابات الداخلية في هذه القضية والتي على ما يبدو ستتلوها قضايا أخرى، ستتكشف تباعاً، من بين هذه الحسابات هناك من يشير إلى أن الملف قد فتح مجدداً بطلب من النظام السوري لأكثر من سبب:

السبب الأول: طلب النظام السوري من ميقاتي أن يدفع ميقاتي له المزيد من الأموال. وتؤكّد المعلومات أنّ النظام في مأزقه المالي هذا قد طالب سياسيين محسوبين عليه في لبنان بتحويل أموال لتمويل حربه. وقد خضع الكثير من السياسيين ورجال الأعمال المحسوبين على النظام ومنحوه أجزاءً من أموالهم.

السبب الثاني: للنظام السوري مصالح كثيرة في تصفية حسابات مع سياسيين لبنانيين، خصوصاً من الطائفة السنية، في إطار حربه المستمرّة ضدّهم، وفي محاولة لإضعافهم أو تطويعهم وجعلهم طيّعين بين يديه.

في الخلاصة، يصرّ ميقاتي على التمسّك بموقفه، وعلى الالتفاف مع رؤساء الحكومة السابقين على الموقف الرافض لتقديم المزيد من التنازلات لحزب الله وعون، اللذين يجتمعان على ضرب اتّفاق الطائف وتكريس أعراف تهدف إلى إنهائه لصالح قواعد جديدة في العمل السياسي.

ويؤكّد ميقاتي أنّ الاستهداف سياسي ولا بدّ من الردّ عليه في السياسة، ويبدو أنّه يعمل على التحضير لردّ مفصل على كلّ هذه الاتهامات وشرح سياقاتها.

خالد البواب – أساس ميديا