سمير عطا الله

بينما كان يتكلم – سمير عطالله – النهار

“قلت لقد قرفت من الشعر والفن والكتب. كلها تبدو لي دون جوهر، كأنها مصنوعة من الكرتون. تماماً كما لو أنك جائع، وبدلاً من أن يُقدَّم لك الخبز والخمر واللحم، تُقدَّم لك قائمة الطعام، فتفضفضها كالماعز”.
نيكوس كازنتراكيس 
تعرفتُ مبكراً إلى آلام أيوب وقبل قراءة سفره. فقد كتب الشاعر بولس سلامة في “مذكرات جريح” سفراً آخر بعنوان “بين أيوب وبيني” يقارن فيه بين البلايا التي نزلت به والنوازل التي تتالت على الأليم الذي من عوص، وكان الشاعر يناجي ربه، مسلّماً، مثل قرينه، قائلاً: إذا تكرمت عليّ بالشفاء فلن يزيد إيماني، وإنْ لم ابرأ فلن يقلّ.
تتكرر #قصة أيوب في حضارات وآداب عدة. ويقال إن أيوب التوراة نسخة عن أيوب قبله في الأدب السومري (1)، وإذ تدور الأيام بالمرء يرى من حوله نبيّ الصبر متمثلاً في البشر والأوطان والأمم. ولئن كان الله قد أخذ أيوب عبر امتحانات شتّى، دون أن يتأفف، فإن المحن التي تصيب الأمم لا تُطاق. والأمة، في تعريف ارنست رينان، نزيل عمشيت في القرن التاسع عشر، تصنعها الدولة، وليس العكس.
كان أيوب رجلاً صالحاً مستقيماً وعليه أنعام كثيرة، متزوجاً وله سبعة أولاد وثلاث بنات، وسبعة آلاف غنمة، وثلاثة آلاف ناقة، وخمسمئة ثور وعدد كبير من الخدم، وكان “أعظم رجال الشرق”. لكن طيبة أيوب وتقواه وتكرّسه أغضبت إبليس، خاصة ان الله كان يضرب الأمثال في “عبدي أيوب”.
إذاً ما كان بولس سلامة قد قارن في تدوينه الدرامي بين أيوب وبينه، فحاولْ ان تقرأ هذا الجزء من قصة “عبدي أيوب” وفي ذهنك ما حلَّ بلبنان، الرزية في ظهر البليّة، والبليّة في ظهر المصيبة، والمصيبة في ظهر الكارثة، والكارثة على ظهور الجميع. ولا مَن يحزنون.
مما جاء في الرواية التوراتية: “واتفق يوماً ان بنيه وبناته كانوا يأكلون ويشربون خمراً في بيت أخيهم البكر. فأقبل رسول الى أيوب وقال:
“كانت البقر تحرث، والأتُن تَرعى بجانبها، فهجم عليها أهل سبأ وأخذوها، وقتلوا الخدم بحدّ السيف، وأفلتُ انا وحدي لأُخبِرَكَ”. وبينما هو يتكلَّم، أقبل آخر فقال: “وقد سقَطَت نار الله من السماء وأحرقت الغَنَم والخدم وأكلتهم، وأَفلتُ أنا وحدي لأخبرك”. وبينما هو يتكلم، أقبل آخر فقال: “قد توزَّع الكلدانيون إلى ثلاثِ فرق، وأغاروا على الإبلِ فأخذوها، وقتلوا الخدَم بحدّ السيف، وافلتُ انا وحدي لأخبرك”. وبينما هو يتكلم، أقبل آخر فقال: “كان بَنوك وبناتُكَ يأكلون ويشربون خمراً في بيت أخيهم البكر، فإذا بريحٍ شديدة قد هبّت من وراء البريّة وصدمت زوايا البيت الأربع، فسقط على الشبان فماتوا، وأفلتُ أنا وحدي لأخبرك”.
يقول الكاتب الارجنتيني البرتو مانغويل (2): “لكن الاشياء مختلفة في الحياة الواقعية. تستمر معاناة أيوب من دون أي أمل في المكافأة. والسؤال، إلى متى سوف يصبر أيوب؟ كم من الاشياء يجب ان يخسر قبل ان يدرك ان هذا الظلم الواقع عليه غير مقبول على الاطلاق؟ متى سيسأل، مثل محام روماني  Cui Bono، مَن المسؤول؟ مَن يفيد من هذا كله؟ مَن أخذ قطعانه وأرضه وثمرة شقائه؟ مَن المسؤول عن موت أولاده؟ متى يجب على الرجل ان يدافع عن نفسه ضد قرارات السلطة المتعسفة؟ وكم من الحقوق ستُسلب من أيوب قبل ان يقول كفى”! وكم مرفأ سَيُفجَّر؟ وكم فقر سوف يعمّ؟ وكم خراب وكم دمار وكم نفوس سوف يذلّها اليأس وتزدريها الطغمة ويحتقرها المحتَقَرون؟
دلالة فظيعة أن نبحث – وأن نجد – المقارنات في التوراة. فهي خلافاً للإنجيل، مليئة بالغضب والثأر وأبواب أريحا. ومنها مزامير داود التي تُقرأ على مَن لا يسمعون، وإذا سمعوا، لا يعون.
الضعفاء والصابرون والبائسون، يُحشرون حشراً في علم المقارنات لأن بهم تُضرب الأمثال وتؤخذ العِبَر. ومما ورد في الصحف في هذا الباب، ما قيل إن زيمبابوي وحدها تتقدمنا في مؤشر #الفساد، وان إحصاء قامت به مؤسسة “غالوب” يفيد ان الشعب الافغاني وحده يتقدم شعبكم العظيم في حالة الاكتئاب العام. ولِمَ لا؟ فقط الجاهلون وحدهم يجهلون صلة القربى بيننا وبين الشعبين العزيزين في زيمبابوي وكابول.
بعد نهاية الاستعمار في روديسيا، وتحوّلها الى زيمبابوي المستقلة، ذهب الزميل الكبير سليم نصار إلى هناك لمقابلة رجل الاستقلال والرئيس الجديد روبرت موغابي. وخلال المقابلة قال المضيف للصحافي القادم من لبنان: يجب ألا تغادرنا قبل ان تقوم بزيارة الآثار الفينيقية التي تركها أجدادك في هذه البلاد. وفوجىء الزميل العزيز بما تركه أجداده، وفوجىء أكثر بأن الأفارقة يحفظون تاريخنا ويحافظون عليه، فيما تقوم التظاهرات في بيروت وتُلقى المحاضرات والعظات والخطب والشتائم، في ان فينيقيا هذه اسطورة اخترعها سعيد عقل لكي يضمّها الى امارة زحلة وملحقاتها، شرق البردوني.
أمّا صلة القربى بالافغان فعظيمة. سيدتهم الأولى هي رلى سعادة، التي تعرَّف إليها الرئيس أشرف غني، عندما كانا طالبين في الجامعة الاميركية هنا. ولم تكتفِ رلى سعادة بالبكالوريوس من الجامعة التي كانت “مصنع” القياديين في العالم العربي، بل هي تحمل إجازة في العلوم السياسية من “سيانس بو” في باريس، وأخرى في الصحافة من كولومبيا.
منذ ان اسقط الشيوعيون النظام الملكي في كابول، وبدأت تلك الحروب الأهلية والخارجية التي لا نهاية لها، يبدو وكأن وصول اشرف غني هو افضل ما حدث للبلاد. ووصول رلى سعادة معه هو افضل ما حدث للمرأة الافغانية التي لا تزال تعيش في ظروف ما قبل القرون الوسطى. وكان من شجاعة هذا الرجل في بلاد “طالبان” أن يتزوج من مسيحية وداعية لحقوق المرأة. لكن بعد وصوله الى الرئاسة، وبلوغها موقع السيدة الأولى في البلاد، أُعطِيت اسم “بيبي غول”  Bibi Gulاندماجاً مع عظمة الانتماء.
تُرى أيخجل بنا الأفغان والزيمبابويون؟ لقد شكّلوا حكومتهم. ولم يعد الدولار يساوي “شوالاً” من العملة المحلية و”رطلين بطاطا مشوية ع الفحم”، كما كان يقول أمير الضحكات فيلمون وهبي. كل الكون الى تحسّن، إلا هذا الجزء منه. هنا صدقت نبوءة رئيس الجمهورية بأن الطريق مفتوحة الى جهنم.
أنا – مع الاعتذار – قليل الإلمام بالكتاب المقدس. ومنذ الطفولة كان انتمائي الى المسيح لا الى المسيحية. ومع العمر، يتعمق هذا الشعور، ويزداد مع تكاثر الانبياء الكذبة، وحلول الزاعمين محل الزعماء، ويتكاثر اخوة يوسف جشعاً ونهماً وحسداً وتآمراً.
ما أروعك محمود درويش يوم انشدت “أنا يوسف يا أبي. يا أبي اخوتي لا يحبونني. لا يريدونني بينهم يا أبي. يعتدون عليّ ويرمونني بالحصى والكلام. يريدونني أن اموت لكي يمدحوني”. ويا لبنان لقد أعدَّ ابناؤك جميع الخطب. هيأوا لك بُركاً من الدموع في سويسرا وجميع الجزر الداعرة وجميع المحيطات المغطاة بقوانين السلب وقبعات آل كابون.
(1) الكتاب المقدس – طبعة دار المشرق – إذن النائب الرسولي بولس باسيم.
(2) شخصيات مذهلة من عالم الأدب، البرتو مانغويل، دار الساقي.