//Put this in the section //Vbout Automation

فرنسا و«التراجع الاستراتيجي» – محمد كريشان – القدس العربي

وأخيرا اضطرت الحكومة الفرنسية ومن ورائها الأغلبية البرلمانية إلى التراجع أمام المظاهرات الغاضبة الضخمة التي استمرت لعشرة أيام، تلك المظاهرات المنددة بما ورد في مشروع قانون يهدف إلى التضييق على مختلف وسائل الإعلام في كشفها لوجوه أو هويات رجال الأمن خلال تعاملهم مع المظاهرات بما يهدد السلامة الجسدية والنفسية لهؤلاء، مع تغريم من يفعل ذلك بغرامة تصل إلى 45 ألف يورو والسجن لعام واحد، ما أثار حفيظة نقابات الصحافيين ومنظمات حقوق الإنسان والمعارضة اليسارية التي رأت في الفصل 24 منه على وجه الخصوص «انتهاكا خطيرا» لحرية الصحافة التي أرساها قانون يعود إلى 1881، مستنكرين ما اعتبروه تجاوبا «زبائنيا» من وزير الداخلية مع نقابات رجال الأمن.
«تراجع استراتيجي» وصفته صحيفة «لوموند» لكنه كان محرجا لكثيرين فقد وصفه كريستوف كاستنار زعيم الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم «الجمهورية إلى الأمام» بأنه «ليس سحبا للقانون ولا تعليقا وإنما إعادة صياغة» من أجل «رفع الشكوك وسوء الفهم» فيما قال النائب برينو بونال من الحزب الحاكم أيضا إنه «غاضب بشدة لأنها المرة الأولى التي نتراجع فيها وينتصر الشارع» وزميلته أورور بارجي إنه «لا يمكننا التراجع، لا على حساب حماية رجال الأمن، ولا أمام اليسار».
لم يكن التراجع سهلا بالنسبة إلى وزير الداخلية بالخصوص فقد ظل يدافع عن هذا القانون حتى آخر وقت مصرحا أمام الجمعة أمام البرلمان أنه «إذا أردت أن تنشر صورا بشكل همجي، ومعذرة لقول ذلك، فما عليك سوى تغطية وجوه رجال الشرطة والجندرمة» معتبرا أن «ليست المظاهرات وثلاثة مقالات في الصحافة هي من يصنع الرأي العام».
كل ذلك لم يحل دون التدخل الشخصي اللافت للرئيس ماكرون الذي وجد نفسه مجبرا عليه حتى أنه عاتب الحكومة، وبالذات وزير داخليته جيرارد دارمانين، على جعله في وضع كهذا. كما بدا الرئيس الفرنسي متفهما لغضب قطاعات واسعة من الفرنسيين حين نقلت الصحف الفرنسية قوله إن «الفصل 24 أثار البلبلة في الرأي العام وبين الصحافيين والشباب ولابد من الاستماع إلى هذا، ورفع سوء التفاهم الذي خلّفه»و»المسارعة بالخروج من هذا الوضع».

ما كان للحكومة الفرنسية أن تتراجع لولا هذا الرفض الشعبي الكبير وهذه المظاهرات التي أكدت مدى تمسك الفرنسيين بحرية الإعلام والتعبير بعيدا عن أي تضييق خاصة عندما يأتي ممن يفترض أن يحترم هذه الحرية لا أن يحد منها




وقد تمثل تحرك ماكرون بالخصوص في جمعه لرئيس الحكومة مع كل من وزراء الداخلية والعدل والثقافة وهو الاجتماع الذي عبرت فيه وزيرة الثقافة روزيلين باشلو عن وقوفها مع الصحافيين وأسفها لعدم إشراكها في القانون المثير للجدل. لكن هذا التحرك جلب لماكرون انتقادات ركزت على مدى الانسجام داخل فريقه وسلامة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ومدى وجاهة أن يضطر الرئيس إلى لعب دور تحكيمي في مشروع قانون.
وكما كتبت «لوفيغارو» في افتتاحيتها تحت عنوان «فوضى لا داعي لها» فإن القوانين الفرنسية كان فيها ما يكفي لحماية رجال الأمن والشرطة خلال قيامهم بعملهم ولم يكن من المفيد أبدا هذا الإصرار على الخروج بقوانين جديدة.
ربما ما كان للحكومة الفرنسية أن تتراجع لولا هذا الرفض الشعبي الكبير وهذه المظاهرات التي أكدت مدى تمسك الفرنسيين بحرية الإعلام والتعبير بعيدا عن أي تضييق خاصة عندما يأتي ممن يفترض أن يحترم هذه الحرية لا أن يحد منها، لكن الأكيد أن هذا التراجع ما كان ليتم كذلك لولا تلك الحادثة «المخجلة» وفق تعبير الرئيس ماكرون نفسه، والتي تمثلت في ما تعرض له المواطن الفرنسي من أصول افريقية ميشيل زيكلار من اعتداء وحشي وإهانات عنصرية على يد رجال الشرطة فقط لأنه لم يكن مرتديا للكمامة، مع أنه لم يحاول أبدا التصدي لهم أو الرد على الضرب المبرح الذي تعرض له. ولو لم يكن هذا الاعتداء مصورا بكاميرات مراقبة داخل المبنى الذي جرت فيه الحادثة، وبكاميرات الهاتف النقال لموطنين خارجه، لكان الرجل قابعا في السجن الآن، كما قال بنفسه لغياب أي حجة تسند روايته.
وسواء سارت الأمور في الأيام والأسابيع المقبلة نحو إعادة صياغة الفصل القانوني المثير للجدل، أو سحبه بالكامل أو مراجعة مجمل القانون، فإن ذلك لا يقلل في شيء من الاستنتاج بأن عهد الرئيس ماكرون اتسم في الغالب بفتح جبهات ما كان لها أن تُفتح والدخول في معارك وأزمات لا موجب لها بالمرة وتثير من اللغط والتوتر ما لم يكن له من سبب مقنع أو قوي بالمرة.
ما قيل عن قانون رجال الأمن والإعلام قيل بعضه كذلك في ما يخص قانون «الانفصالية الإسلامية» كذلك، مع الفرق الكبير بين السياقين والخلفيتين. المقصود هنا أساسا التأكيد، في كلا الحالتين والضجتين، على أن في ترسانة القوانين الفرنسية ما يكفي من النصوص ما يغني عن اجتراح نصوص أخرى. ولعل ذلك هو ما جعل وزير الداخلية وبعض البرلمانيين يبدون تصلبا في التعاطي مع الاحتجاجات الأخيرة وعدم استساغتهم للتراجع الذي تم. إنه الخوف من أن يكون هذا التراجع مقدمة لتراجعات مقبلة في ملفات أخرى. من يدري؟