لوموند: لبنان… وحش غير قابل للحكم

نقلت صحيفة “النهار” اللبنانية مقالا عن صحيفة “لوموند” الفرنسية تناولت فيه الوضع السياسي في لبنان جاء فيه:

بعدما انخرط “حزب الله” والاوليغارشية المالية في سياسة محاصصة على مدى سنوات في لبنان، بات من المستحيل إعادة انتعاش الدولة في المدى القريب. وبعد أربعة أشهر من انفجار مرفأ بيروت الكارثي، أثار الوضع اللبناني غضب الغرب واستيائهم.




وأشارت صحيفة “لوموند” الفرنسية إلى الفرق بين الدولة، حيث تقوم السلطة على مؤسسات ينظم الدستور عملها من الجهة، وحكم الأنظمة حيث تموّه المؤسسات والدستور الجهة الحقيقية التي تتولى قيادة السلطة، متمثلة بأسرة أو جيش أو حزب معين.

وفي ظل الحياة السياسية المضطربة، والمشهد الإعلامي المتعدد، والمجتمع المدني المناضل في لبنان، لا يتشارك الأخير الكثير مع مصر وسوريا المجاورتين.

وفي المقابل، يبتعد لبنان يوماً بعد يوم عن نظام الدولة بعدما باتت السلطة فيه أكثر من أي وقت مضى في قبضة عصابة تتألف من أحزاب مجتمعية يقودها كبار الزعماء التقليديين، وزعماء الحرب القدامى ورجال الأعمال. طبقة فاشلة في السياسة العامة وبارعة في السياسية الفئوية.

وبعدما أمست الاستمرارية في السلطة الشاغل الأول للزعماء اللبنانيين، أتقنوا فن التصدي لكل مبادرات قد تلحق الضرر بمصالحهم الشخصية.

ويشكل الخلاف القائم اليوم بشأن مراجعة حسابات مصرف لبنان المركزي مثالاً واضحاً على ذلك. والواقع أنَّ رئاسة البلاد والحكومته يدعمان المشروع الرامي إلى إلقاء الضوء على الفجوة العميقة في القطاع المالي اللبناني، إلا أنَّ “حزب المصرف” الذي يخشى أن يجرفه التيار يبذل قصارى جهده لمنع تحقيق هذه العملية. وفي ظل نفوذ الأقلية السياسية والمالية الحاكمة في البرلمان ووسائل الإعلام، والسلطة التنفيذية، تتمكن الأخيرة من تحقيق غاياتها.

تغاضي “حزب الله” عن الفساد

وأكدت الصحيفة الفرنسية أنَّ إلغاء عملية المراجعة تضع حداً للتعافي الاقتصادي في البلاد، على الأقل على الأمد المتوسط. والواقع أنَّ تحقيق العملية الراهنة يشكل أحد شروط صندوق النقد الدولي والجهات المانحة لإعادة ضخ الأموال إلى خزينة الدولة. إلا أنَّ “الدولة القوية” لا تكترث لهذه الاعتبارات، وهذا ما يقرّب لبنان من حكم الأنظمة ويبعده عن دولة المؤسسات.

وخلافاً للنموذج المعتمد في المنطقة، يملك النظام اللبناني رأسين، ويعتبر ذلك سبباً لمرونته. وإلى جانب حكم الأقلية المالية، يظهر “حزب الله” ليمثل السلطة الموازية الأخرى. وتعلمت الحركة الشيعية المؤيدة لإيران التي تنقسم بين حزب وميليشيا، كيفية الحصول على تمويل من خارج الدوائر المصرفية.

والواقع أنَّ الحزب لا يعتبر متورطاً مباشرة في الانهيار المالي الذي يؤثر كثيراً على قاعدته، إلا أنَّ تضامنه مع بعض حلفائه يفرض عليه التزام الصمت. وبالتالي، يتغاضى “حزب الله” عن الفساد مقابل تغاضي الأقلية الحاكمة عن سلاحه غير الشرعي، معتمدين سياسة الأخذ والرد.

ونتيجة ذلك كله، بات لبنان وحشاً غير قابل للحكم. وتعامل المجتمع الدولي لما يقرب ثلاثة عقود مع هذا النظام الكارثي، وموّله من خلال مؤتمرات لجمع الأموال، مقابل وعود الطبقة الحاكمة الغامضة بإصلاحات سرعان ما كانت تتبدد في كل مرة تستلم فيها الأموال.

إلا أنَّه في الوقت الراهن، يبدو أنَّ الوضع الذي اعتاد عليه لبنان يقترب من نهايته، وظهر ذلك في خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أواخر أيلول (سبتمبر)، والذي هاجم النظام الفاسد والدنيء الحاكم في لبنان.

ومع ذلك كله، تستمر الطبقة الحاكمة في نهجها المعتاد من دون أن تحرك ساكناً، وتواصل إخفاقاتها الرجعية ونهبها. وبذلك، لن يثير الوضع اللبناني المزيد من غضب الجهات المانحة فحسب، بل إحباطها وسأمها، الأمر الذي يعتبر العقوبة الأشد لدولة لطالما أسرت العالم بجمالها.

النهار