//Put this in the section //Vbout Automation

تحقيق جنائي في المجالس والصناديق والمحميات: “مجنون يحكي وعاقل يسمع”

موريس متى – النهار

بعد أسبوع على قرار شركة ألفاريز ومارسال فسخ عقدها مع الدولة اللبنانية وعدم إنجاز المهمة التي أوكلت إليها وتتمثل بإجراء تحقيق جنائي في حسابات مصرف لبنان، خرج المجلس النيابي وبالإجماع، يوصي بإخضاع حسابات مصرف لبنان وكل مؤسسات الدولة وإداراتها وصناديقها للتدقيق الجنائي من دون التذرع بأيٍّ من القوانين وعلى رأسها قانون السرية المصرفية وخلافه، بعد مناقشة رسالة رئيس الجمهورية التي وجهها للمجلس ودعا فيها النواب إلى التعاون مع السلطة الاجرائية من أجل تمكين الدولة من إجراء التدقيق المحاسبي الجنائي في حسابات مصرف لبنان، وانسحاب هذا التدقيق بمعاييره الدولية كافة، على سائر مرافق الدولة العامة تحقيقاً للإصلاح المطلوب وبرامج المساعدات التي يحتاج إليها لبنان في وضعه الراهن والخانق، وكي لا يصبح لبنان في عداد الدول المارقة أو الفاشلة في نظر المجتمع الدولي.




وصفَ الرئيس عون قرار مجلس النواب بالإنجاز للبنانيين الذين يريدون معرفة من هدر أموالهم واستباح أرزاقهم، كما هو إطلالة مضيئة على المجتمع الدولي المتضامن معنا في معركتنا ضد الفساد والهدر. في هذا السياق، تعتبر مصادر دستورية أن ما خرج عن المجلس النيابي هو بمثابة تشريع ينطلق من التوافق العلني للسلطة التشريعية حول قرار محدد، ما يعطي لهذه التوصية صفقة قانونية تنطلق من التزام المجلس النيابي بمكوناته التي تمثل كل الكتل النيابية، دعم مسألة محددة تتمثل بإجراء #التدقيق الجنائي في حسابات البنك المركزي، وما يعطي مصرف لبنان غطاءً لتسليم الدولة اللبنانية الحسابات والمعلومات التي تطلبها على أن تتصرف بها بالطريقة التي تجدها مناسبة، كما يوصي هذا القرار كل الوزارات والادارات والمرافق والصناديق رفع السرية المصرفية عن عملياتها المصرفية أمام الجهات المعنية إجراء التحقيق الجنائي حصراً لهدف محدد وهو إنجاز مهمة هذا التحقيق، ما يعني حتماً شمول التحقيق الجنائي كل حسابات الدولة المالية خاصة الموجودة منها لدى ديوان المحاسبة منذ سنوات.

بالشكل، خرج المجلس النيابي بما اتفق عليه ليؤكد أن ما من أحد يرفض اتخاذ التدابير المناسبة للكشف عن الخلل في الإنفاق العام وإدارته ومحاسبة المخلين، ومن أوصل الامور إلى ما وصلت إليه، حتى خرج البعض ليؤكد ضرورة إقرار قانون في مجلس النواب يجعل التدقيق إلزامياً في كل إدارات الدولة. ولكن في المضمون، يبقى الغموض واضحاً حيال كيفية تطبيق كل ما تم الاتفاق عليه. فلطالما يُعرف عن السلطات اللبنانية تفوقها في تكبير الحجر، والمزايدات الإعلامية عند قرار الخطط والتوصيات والتعهدات، وعند الوصول للتطبيق، تعود الامور إلى نقطة الصفر وتدخل في الدهاليز، وكأن شيئاً لم يكن. ما يطرح سلسلة تساؤلات حول كيفية تطبيق ما تم الاتفاق عليه خلال الجلسة التشريعة. فمَن الجهة المخولة إجراء التدقيق الجنائي في حسابات الدولة؟ وأي مسؤولية يتحملها ديوان المحاسبة؟ ومن يحساب ديوان المحاسبة لعدم إنجازه التدقيق المطلوب في السنوات الماضية؟ من المخول تحديد الأوليات خاصة وأن كل مؤسسة وإدارة وصندوق لطالما كانت محميات محسوبة على طرف سياسي محدد؟ وهل يمكن اعتبار أن ما تم الاتفاق عليه في المجلس النيابي أطاح أي تعديل لقانون السرية المصرفية والاقتراحات التي تم تقديمها في هذا السياق؟ وكيف سيتم التعاطي مع المؤسسات والصناديق التي لم تخضع حساباتها للتدقيق منذ سنوات طويلة بحجة استقلاليتها وحساباتها تخضع للمراقبة “المؤجلة” والتي شكلت عنوان انقسام كبير خلال مناقشات الحسابات المالية ومشاريع الموازنات السابقة، والأهم ملف قطع الحساب؟ وهل فعلاً ما خرج عن المجلس النيابي يمكن اعتباره إطاراً قانونياً يلزم مصرف لبنان تسليم الحسابات في الوقت الذي كان أكد فيه المركزي أنه مستعد لتسليم كل ما تطلبه الدولة من مستندات، عبر الوزارات والإدارات المعنية، بموجب كتاب يرسله وزير المال إلى حاكمية المركزي للتنفيذ وتسليم ما يُطلب، وهو ما لم يحصل، ولم يعلم أحد، أقله في العلن، أسباب عدم إرسال هذا الكتاب ووضع مصرف لبنان أمام تعهده؟ وكيف يمكن إقناع اللبنانيين أن من أدار لسنوات الصناديق ومجلس الانماء والاعمار ومجلس الجنوب والضمان الاجتماعي والكهرباء وملف البواخر والاملاك البحرية والمرفأ والمطار والهيئة العليا للإغاثة وقطاع الاتصالات والمناقصات العمومية وغيرها، هم أنفسهم من يطالب اليوم بإجراء التحقيق الجنائي في حسابات هذه المؤسسات والإدارات والمرافق، وكل المحميات التي لطالما كان الاقتراب منها من المحرمات، على أن يضع هم أنفسهم الأولويات أو أقله فرض الشروط ضمن العقود التي ستوقَّع مع أي طرف سيقوم بهذه المهمة، ليصحّ القول “مجنون يحكي وعاقل يسمع”؟

في كل الاحوال، تتجه الأنظار إلى موقف الجهات القانونية لدى مصرف لبنان مما خرج عن المجلس النيابي، فالمركزي كان رفض تسليم جزء من المعلومات والمستندات إلى شركات التدقيق الجنائي “ألفاريز ومارسال” بحجة عدم خرق قانون السرية المصرفية وقانون النقد والتسليف وتحديداً المادتين 151 و44 بحجة عدم تحميله أي تبعات جزائية، فيما تستمر عملية التدقيق المالي في حسابات المركزي من قبل فريق متخصص من المصرف المركزي الفرنسي.