عماد موسى - نداء الوطن

بالبيجاما – عماد موسى – نداء الوطن

منتصف الستينات إقتنت ماري وجورجيت وإيفيت جهاز تلفزيون ليكون سلوتهنّ في أمسيات الضجر. لم يهجم نصيب أي منهن فبقين وحدهن وكبرن على الزواج في بيتهن الكائن في أحد أحياء الأشرفية والمؤلف من غرفتي نوم وغرفة جلوس، وكم ردّدنَ مع الصبوحة اغنية “يابيتي يابويتاتي.. يامسترلي عويباتي.. فيك خْلقتْ وفيك ربيتْ وفيك بقضّي حياتي… يابيتي يابويتاتي”. كنّ يشبهنَ بطلات مسرحية “فاميليا” للفاضل الجعايبي. ومن طقوسهن في أول السهرة، عدا تحضير الزهورات، أنهن يخلعن البيجامات وقمصان النوم ويلبسن أجمل ما في خزانتهن، ويصفّفن شعرهنّ ويتبودَرنَ ويتكحّلن ويجلسن بتهذيب على الكنبة الطويلة، ثم تفتح دموازيل ماري الشاشة وتنتظر إطلالة ضيوف “يسعد مساكم “، أبو ملحم والست أم ملحم وإيلي صنيفر ولمياء فغالي وسليمان الباشا ودرويش. مرة سئلت إحداهن عن سبب اهتمامهن بمظهرهن فأجابت: “الجماعة ( أبطال المسلسلات) ببيتنا مش عيب نستقبلن بتياب النوم”. وبمرور السنوات أخذت الأخوات “وج” على أبي ملحم، فصار من أهل البيت وبالتالي صرن يستقبلنه بالبيجاما.

لم أهتم يوماً بأصل الـ”بيجاما” وفصلها وتاريخها.”غوغلتها” وعرفت أن أول من اخترعها هم الهنود، ومن الهند انتقلت إلى بلاد فارس، فإلى العثمانيين، ثم انتقلت إلى أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولا أعرف بالتحديد متى لبس جدودنا البيجاما القطنية ومتى أغوت الجدّات الجدود ببيجامة الساتان.




لطالما شعرت أن البيجاما مرادفة للعجزة، كما الـ”سورفاتمان” مرادفة لزي المحابيس. الختيار القليل التنقلات الثقيل الحركة لا يخلع البيجاما إلا في المناسبات الكبرى، وخير مثال مطانوس الذي تجاوز العام الماضي التسعين حولاً، فهو لم يخلع بيجامته المقلّمة منذ أن أطفأ الشمعة الثمانين، وفي قداس الجمعة العظيمة يلقي معطفاً رمادياً على منكبيه فوق البيجاما ويدخل إلى الكنيسة، التي تبعد عن بيته خمس عشرة فشخة يصلي قليلاً ويشخر كثيراً. ودائماً يكون أول الحضور لرصد سيدات الأخوية.

في السنة الأخيرة صرت مهجوساً بالبجائم والـ”قلّوسات”. كأنني كبرت أكثر مما ظننت. أستقبل بالبيجاما. أودّع بالبيجاما. أنزل إلى الحديقة بالبيجاما. أبدأ النهار بالبيجاما. أعد الطعام بالبيجاما. وأول قطعة أدخلها في الغسّالة هي البيجاما. وكيّ البيجامات أولوية الأولويات. وإن عنّ على بالي غداً تبديد البعض من مالي على تعزيز خزانتي فسأبتاع بيجامتين، واحدة كلاسيكية للسهرات والثانية سبور لإجتماعات العمل وأضمهما إلى الـ”بجائم” التي في الدرج، وأكثرها قِدماً يعود تاريخها إلى نهايات القرن الماضي، وإن دعتني إليسا وهيفا لمشاركتهما في كليب بالبيجاما على غرار “حنغني كمان وكمان”، لن أتردّد في ارتداء أجمل بيجامات حياتي.