//Put this in the section //Vbout Automation
رامي الريس

القضاء هيبة قبل كلّ شيء! – رامي الرّيس – نداء الوطن

لا مفرّ من قيام السلطة القضائية المستقلّة لقيام الدولة المرتجاة والمنتظرة من عقود طويلة. ليس تفصيلاً أن يكون الإصرار السياسي على إخضاع القضاء طوال سنوات هو من الأساليب المعتمدة في إدارة شؤون البلاد، وليس تفصيلاً أن يكون رأس الدولة، المؤتمن على حماية الدستور والسهر على تطبيقه، هو أول من يدكّ أسس القضاء المستقلّ، من خلال رفضه المتمادي التوقيع على التشكيلات القضائية كما وردته من مجلس القضاء الأعلى.

كيف يمكن الحديث عن فصل السلطات وتعاونها وتوازنها عندما يتمنّع رأس الدولة عن ممارسة دوره في حماية تلك التوازنات الدقيقة التي ينصّ عليها الدستور؟ وكيف يمكن الحديث عن إنتظام العملية الدستورية والسياسية عندما يمارس رئيس الجمهورية عكس ما يقول من أنّه سيردع التدخّلات في القضاء، مطالباً القضاة بتحمّل مسؤولياتهم وممارسة دورهم من دون الإكتراث لأي تدخّلات؟




عندما يكون القاضي مرتهناً بالتشكيلات والترفيع والنقل إلى السلطة السياسية، فمن الصعب جدّاً أن يمارس دوره بحرّية وضمير تامّ، ولو أنّ بعض القضاء يقوم بتأدية رسالته من دون الإلتفات إلى الإعتبارات الخاصة. وعندما يكون القاضي غير قادر على إصدار الأحكام التي يمليها عليه ضميره ومهنته وقسمه القضائي وفهمه للقانون ومندرجاته، فكيف تتوقّعون قيام السلطة المستقلّة؟

ثمّة دول تولي السلطة القضائية الحقّ بالنظر في دستورية القوانين والطعن بها. أمّا في لبنان، فإنّ تلك الصلاحية منوطة حصراً بالمجلس الدستوري، وهو لا يملكها بطريقة عفوية أو أوتوماتيكية، بمعنى أنّه لا يمكنه النظر بها إلّا في حال طلب منه القيام بالأمر من قبل عدد من النواب أو المرجعيات الدينية في ما يخصّ قوانين الأحوال الشخصية. وبالتالي، هو مكبّل في ممارسة الدور، بمعزل طبعاً عمّا يتصل بطريقة تشكيله وتعيين أعضائه أو إنتخابهم من قبل مجلسي الوزراء والنواب.

فهل يمكن التفكير بالوصول إلى تلك المرحلة يوماً ما؟ الأرجح أنّ في الأمر صعوبة كبيرة وتعقيدات هائلة بسبب النظرة الفوقية للقضاء من قبل بعض مكوّنات السلطة السياسية. إنّها الثقافة السياسية المفقودة أساساً لدى تلك الأطراف!

ثمّ، أين التفتيش القضائي؟ وما هي الأسباب التي تحول دون تفعيله وتنشيطه وإعطائه المساحات المطلوبة لتأدية دوره؟ ولمَ لا يقوم هو بممارسة صلاحياته من دون طلب الموافقة من أحد؟ وإلى متى سيبقى مشلولاً؟ فلينظر إلى منازل وسيارات بعض القضاة، ألا تستحقّ السؤال والإستفسار؟

يقول “نادي قضاة لبنان”: “باستثناء واجب عدم تحيّز القاضي الى أيّ من فريقي الدعوى المعروضة أمامه، وعدم إتّخاذه مواقف تنمّ عن ميول سياسية أو طائفية أو عرقية، وعدم وجوده مع أشخاص مشبوهي السمعة أو في أمكنة مشبوهة، يبقى على القاضي صون صورته وكلماته وتصرّفاته بشكل يحفظ هيبة رسالته لا غير”.

كم من قاضٍ يمضي أوقاته في أفخر مطاعم العاصمة يتناول الحساء مع رجال السياسة والإعلام والأمن؟ وكم من قاضٍ يلبّي المآدب ويزور المكاتب والمنازل، ويوزّع الإبتسامات على الرجال والسيدات؟ القضاء هيبة قبل كلّ شيء. القضاء سمعة قبل أيّ شيء آخر. القضاء أخلاق قبل أن يكون قانوناً ومراسيم وقرارات!

سنة 1960، توجّه كمال جنبلاط إلى الرئيس فؤاد شهاب ببيان حول استقلالية القضاء، دعا في بنده الأول إلى “تنظيم مجلس القضاء الأعلى بطريقة يصبح معها أكثر فعالية في اختيار القضاة وترقياتهم، ومعاقبتهم عند الحاجة اذا لم يقوموا بالمهمّة الموكولة اليهم”. أين نحن اليوم من تلك المقاربة؟

ختاماً، قال إبن خلدون: “فساد القضاء يُفضي إلى نهاية الدولة”. وكفى!