//Put this in the section //Vbout Automation

فوق ركام دولة منهارة.. بشار الأسد باق وإن كره المعارضون

يؤكد المراقبون أن بشار الأسد، الذي تنبأ كثيرون بأنه سيسقط تحت ضغط الشارع بعد أسابيع من بدء الانتفاضة الشعبية ضده في مارس 2011، استفاد من تقاطع عوامل داخلية أبرزها تحكّمه في القوات الأمنية والعسكرية، وخارجية على رأسها تلكؤ الغرب في استخدام القوة ضده مقابل دعم عسكري حاسم من إيران ثم روسيا، ليبقى.

ويضاف إلى ذلك، ما اعتبره البعض من الباحثين، الصبر واستثمار عامل الوقت المشهود لعائلة الأسد بحسن توظيفهما، والتي تحكم سوريا منذ بداية سبعينات القرن الماضي.




يقول السياسي اللبناني المخضرم كريم بقرادوني لوكالة الصحافة الفرنسية إنه “بعدما طالب العالم كله برحيله قبل سنوات وظنّ أنه سيسقط، يريد اليوم أن يجد الحلّ معه. لقد عرف الأسد كيف يستثمر عامل الوقت”.

ومنذ انطلاق الاحتجاجات التي سرعان ما تحولت إلى نزاع مدمر فاقمه تصاعد نفوذ التنظيمات الجهادية وتدخل أطراف خارجية عدّة ساهمت في تعقيد المشهد، لم يتوان الأسد في أي تصريح عن إبداء ثقته الكبيرة في القدرة على الانتصار حتى في أكثر لحظاته ضعفا.

ويضيف بقرادوني، الذي لعب لوقت طويل دور الوسيط بين النظام السوري وأطراف لبنانية خلال الأزمات، التي شهدها البلدان، قائلا “لم يتراجع الأسد أي خطوة إلى الوراء، لقد تمسك بكل مواقفه من دون أي تعديل وتمكّن من أن يسترجع بالقوة العسكرية معظم الأراضي السورية”.

وأثبت الجيش السوري، وفق بقرادوني، “أنه جيش عقائدي ونظامي تمكن من الاستمرار وحماية النظام في أسوأ الأوضاع ولم ينقلب عليه كما في دول أخرى، وهذا ما جعل الأسد نموذجا استثنائيا في ما يُعرف بثورات الربيع العربي”.

وبقي الجيش الذي يشكل أبرز أسلحة الأنظمة الدكتاتورية، متماسكا ومواليا لنظام بشار الأسد، رغم انشقاق عشرات الآلاف من العسكريين عنه بعد اندلاع النزاع.

ويختصر توما بييريه من معهد البحوث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي العوامل الداخلية، التي ساهمت في بقاء الأسد في السلطة بعنوان واحد “استمرار ولاء قيادة الجيش التي تعززت خلال عقود بأقارب الأسد وأتباعه” من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها.

ويؤكد بييريه أن هؤلاء شكلوا “على الأرجح أكثر من ثمانين في المئة من الضباط في العام 2011 وشغلوا كل منصب مؤثر عمليا” داخل الجيش.

ويرى باحث سوري في دمشق تحفظ عن الكشف عن اسمه لوكالة الصحافة الفرنسية، أنه “لا يمكن إنكار دور شخصية الأسد في بقائه، وما يعرف عنه من إصرار وصرامة، فقد تمكّن من حصر القرارات كافة بيده وجعل الجيش معه بشكل كامل”.

ولم تفرز بنية النظام شخصيات قيادية يمكنها أن تلعب دورا بارزا في مواجهته، لا بل قطعت الطريق على أيّ شخصية حاولت أن تبني حيّزا لها في مستقبل البلاد.

وراهن الأسد على تركيبة المجتمع المعقدة مع وجود انقسام عرقي بين عرب وأكراد، وطائفي بين سنّة وعلويين وأقليات، أبرزها المسيحية، رأت فيه حاميا لها خصوصا مع تصاعد دور التنظيمات الإسلامية والجهادية.

واستفاد الأسد من خوف الناس من الفوضى ومن خوف بيئته (العلوية) على وجودها في حال سقوطه، ما جعلها تستميت في الدفاع عنه دفاعا عن وجودها. كما استفاد من غياب قوى سياسية فاعلة وفقدان الأمل من دور المعارضة.

وبينما كانت قوات الأسد تخسر على الأرض، تشكلت في فبراير 2012 مجموعة “أصدقاء سوريا” التي ضمّت دولا غربية وعربية داعمة للمعارضة السورية ثمّ اعترفت أكثر من مئة دولة على الأقل بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية كممثل شرعي وحيد للشعب السوري.

وبدا الأسد في تلك الفترة رئيسا معزولا مع تصاعد المطالب بتنحيه، في وقت جمّدت جامعة الدول العربية عضوية سوريا فيها، وفرضت دول غربية عقوبات على النظام بسبب ممارسات القمع، وأضحى الأسد حينها على وشك السقوط، إلا أن خصومه لم يتمكنوا من تشكيل جبهة موحدة، لا في الداخل ولا في الخارج.

ومع عسكرة النزاع، تعدّدت الفصائل المقاتلة التي كانت تتلقى دعما من جهات ودول مختلفة لها أجندات خاصة، ومع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وتحكمه بمساحات واسعة من البلاد، تبدّد مطلب الحرية والديمقراطية وراء الرعب.

وبشكل غير مباشر، ساعد الأسد على تقديم نفسه بأنّه يخوض حربا ضد “الإرهاب”، وفي الوقت نفسه لم تفرز المعارضة السياسية قيادة بديلة تشكل محاورا يتمتع بالمصداقية أمام المجتمع الدولي.

وفيما كانت الفصائل المعارضة تطالب حلفاءها بسلاح ودعم عسكري، على غرار تدخل حلف شمال الأطلسي الجوي الذي ساعد المعارضة المسلحة الليبية على النيل من نظام القذافي، كان الغرب مرعوبا من تكرار تجربة ليبيا حيث بدأت الفوضى تتمدد بسرعة.

ومع استقطاب التنظيم المتشدد لآلاف المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق المجاور بدءا من العام 2014، وتنفيذه هجمات دامية في دول عدة، انصبّ تركيز المجتمع الدولي بقيادة واشنطن على دعم الفصائل الكردية وحلفائها في مواجهة الجهاديين عوضا عن دعم خصوم الأسد.

وبات الأسد أكثر ييقنا من أن الطائرات الأميركية لن تحلّق في سماء دمشق بعد تراجع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عن شنّ ضربات عقابية إثر مقتل نحو 1400 شخص قرب دمشق في صيف 2013 جراء هجوم بغاز السارين اتُّهمت دمشق بتنفيذه. وانتهى الأمر باتفاق أميركي روسي على تفكيك الترسانة الكيميائية السورية.

يقول بييريه إن أوباما “انتخب على أساس وعد بالانسحاب من العراق، ولذلك تردّدت إدارته في العودة إلى الشرق الأوسط” من بوابة سوريا. ويضيف “حدّدت الإدارة الأميركية مصالحها في المنطقة على نطاق ضيق وبطريقة انعزالية، أي مكافحة الإرهاب، ومن هنا كان تدخلها ضد تنظيم الدولة الإسلامية وأسلحة الدمار الشامل”.

وفي المقابل، تلقى الأسد دعما حاسما من إيران التي تدخّلت منذ بداية النزاع، فاستقدمت مجموعات رديفة ودرّبتها لتدافع بشراسة عن النظام، ومن بينها حزب الله اللبناني، وكذلك فعلت روسيا التي دافعت عن النظام في مجلس الأمن ودعمته اقتصاديا ثم عسكريا.

وانتهزت روسيا تحديدا، وفق بييريه، “فرصة تاريخية لاستعادة موقعها الذي فقدته كقوة عظمى عبر ملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلّفه فك أوباما لارتباطه جزئيا عن المنطقة”.

وبعدما كانت الدول الغربية وعلى رأسها واشنطن تشدّد في كل مناسبة على ضرورة تنحي الأسد، بات اهتمام المجتمع الدولي اليوم مركزا على التوصل إلى تسوية سياسية تسبق موعد الانتخابات الرئاسية في الصيف المقبل.

ويقول مراقبون إنه من المستحيل اليوم أن يكون النظام السوري مقبولا من النظام الدولي، ومن المستحيل كذلك أن يبقى خارجه.

وهذه المعادلة المستحيلة ستبقي الجميع لسنوات طويلة في مرحلة من اللاخيار واللاحل واللااستقرار مع استمرار الاستنزاف البطيء الذي يدفع ثمنه الشعب السوري وحده، وذلك بسبب الحاجة الماسة إلى أموال ودعم دولي لإعادة الإعمار وحل مشكلة اللاجئين.

وفي هذا الوقت، لا شيء يمنع الأسد من البقاء في مكانه، والفوز بولاية رئاسية رابعة، فيما كل الناشطين الذين تجرأوا يوما على الخروج إلى الشارع للمطالبة بسقوط النظام قتلوا أو فروا من البلاد، ودخل عشرات الآلاف غيرهم إلى السجون والمعتقلات.