//Put this in the section

عون يدير انهيار الدولة بلا حكومة… والرهان على تغيير أميركي يخنق لبنان!

ابراهيم حيدر – النهار

لم ينتظر اللبنانيون كلمة رئيس الجمهورية ميشال #عون، لمعرفة كيف تسير أمور بلدهم، أو إذا كان سيطلق مبادرة تفتح الطريق على إمكان تشكيل #الحكومة، وإنهاء التجاذبات القائمة حولها، ورهانات القوى السياسية والطائفية على تغييرات في المشهدين الإقليمي والدولي. قدم عون نفسه مجدداً طرفاً في المعادلة، من دون أن يطمئن اللبنانيين إلى أنه يسعى للخروج من الأزمة، حتى وهو يتحدث عن التدقيق الجنائي المالي الذي بدا أن كل طرف سياسي لديه أهدافه من ورائه، وكأن الجميع لا يريد هذا التدقيق لأنه يهدم الجدار على كل المتورطين في الفساد، علماً أنه كان يشكل البند الأول للمبادرة الفرنسية في مجال الإصلاحاتن وهي التي سقطت بآخر أوراقها.




المسالة التي باتت جلية هي أن عملية تاليف الحكومة مؤجلة حتى إشعار آخر، ليس بسبب الرهانات على تطورات في الخارج، أو انتظار انتهاء ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب فحسب، بل لأن لكل طرف داخلي لديه أجندة ومصالح وحسابات، تظهر أحياناً في اشتراط المحاصصة والقلق المعطل والهيمنة على القرار، وفي أحيان أخرى بالتعطيل المفتعل بما يتعلق بالصلاحيات وموازين القوى للمرحلة المقبلة. فقوى الممانعة وفي مقدمها “حزب الله” والتيار الوطني الحر يتهمان الرئيس المكلف سعد الحريري بأنه يخضع للإملاءات الأميركية في عملية التاليف، بدءاً برفض مشاركة “الحزب” في الحكومة وحصول الثنائي الشيعي على حقائب أساسية، وصولاً إلى من يحكم البلاد. لكن الصراع السياسي والطائفي في البلاد والمفتوح على احتمالات عدة مع تعطيل تشكيل الحكومة، من بينها احتمال حدوث ضربات أو حروب في المنطقة سيكون لبنان جزء منها، يفتح البلد على كل الاخطار، حتى إنهاء وجهه وليس فقط الإخلال بالتوازنات اللبنانية.

الواقع أن عملية تشكيل الحكومة، من خلال المطالعة التي تقدم بها رئيس الجمهورية في رسالته إلى اللبنانيين في ذكرى الاستقلال، لم تعد مسألة داخلية، فرئيس الجمهورية يعرف أن العقوبات على جبران باسيل، والعقوبات المحتملة المقبلة على شخصيات أخرى، تساوي بين المعاقبين و”حزب الله”، وهذا يعني أن الذي تفرض عليه عقوبات معينة من الأميركيين يجب أن يكونوا خارج الحكومة وحتى خارج السلطة، وبالتالي أعلن عون بطريقة واضحة أنه لن يقبل يذلك، فإذا كانت العقوبات لم تفعل فعلها بالنسبة إلى عون و”الحزب” وكذلك بالنسبة إلى الإيرانيين وفق تقييمهم للوضع بعد الانتخابات الأميركية، فلن يكون هناك حكومة قبل انتهاء مفاعيل قرارات الإدارة الأميركية الحالية، أي أن لا حكومة في لبنان قبل رحيل دونالد ترامب، وهذا رهان لقوى الممانعة على تغيير في السياسة الأميركية مع جو بايدن تبدأ برفع العقوبات، وإن كان هذا الرهان يبقى احتمالاً، فلا أحد يعرف كيف ستسير الامور مع الإدارة الاميركية الجديدة، خصوصاً وأنها تحتاج إلى وقت لإعادة ترتيب ملفاتها.

المفارقة أن ما لا يتنبه إليه البعض أن الإدارة الاميركية الحالية ما زالت هي المقررة، وبالتالي تسعى إلى مزيد من الضغوط في وقت لا يستطيع لبنان تحمل تبعات الحصار الأميركي في حالة الإنهيار، فيما القوى السياسية المحلية تتقاتل على المحاصصة، والثلث المعطل. فها هو وزير الحارجية الأميركي مايك بومبيو يؤكد أن واشنطن لن تتراجع أبداً عن ضغوطها، بل ستصعد وتيرتها بقوة في المرحلة المقبلة، وقد تحمل الأسابيع المقبلة تطورات أمنية وعسكرية لن يكون لبنان بمنأى عنها. لذا يبدو أن تعقيدات تشكيل الحكومة اللبنانية التي يحاول الرئيس المكلف سعد الحريري تذليلها، ترتبط برهانات لأطراف سياسية وطائفية لبنانية على تغييرات في الوضعين الإقليمي والدولي.

كانت الاجواء التي سبقت انطلاق المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية حول ترسيم الحدود برعاية أميركية، تشير الى أن هناك إصراراً أميركياً على ترتيب الوضع الحدودي وإنهاء أو على الأقل عقد تسوية سريعة حول الحدود البحرية. وقد عُلّقت آمال كثيرة على أن الاوضاع ستنعكس تشكيلاً حكومياً، على رغم اشتراط الولايات المتحدة عدم مشاركة “حزب الله” فيها. لكن هذا الأخير وافق على المفاوضات ما يعني أنه كان يراهن على تطورات معينة تفتح على قناة اتصال بين طهران وواشنطن، فإذا بالامور تنقلب راساً على عقب، انعكست على التشكيل الحكومي، في وقت استأنفت إسرائيل عملياتها ضد مواقع إيرانية وأخرى تابعة للنظام في سوريا، بعد توقف دام أشهر عدة. هذا يعني أننا سننتظر وقتاً للعودة الى مسار التأليف، إذ أن كل القوى تنتظر خروج دونالد ترامب من البيت الأبيض، انطلاقاً من رهانها حول انتهاء مفاعيل المواقف التصعيدية الأميركية المتصلبة، وعلى هذا بات الاهتمام بالحكومة في مرتبة خلفية، وإن كان الإنهيار يكتسح ما تبقى من قدرة لدى اللبنانيين على الاستمرار والصمود، فكل قوى السلطة لا تأبه لما يحل بلبنان من أخطار قد تغير وجهه مع الابتعاد العربي والدولي عن دعمه واحتضانه. لذا باتت عملية تشكيل الحكومة، مسألة مستبعدة في وقت قريب، وكل يعد العدة لإمرار هذين الشهرين الفاصلين من خطر الحرب والضربات، ربما إلى حين تسلم الرئيس المنتخب جو بايدن زمام الامور ومقاليد الرئاسة الأميركية، تماماً كما كان الرهان قبل التسوية الرئاسية التي جاءت بميشال عون رئيساً للجمهورية وسعد الحريري رئيساً للحكومة في عام 2016، بعد تعطيل وفراغ في موقع رئاسة الجمهورية دام نحو سنتين.

وإذا كانت الظروف تختلف عن ذلك الوقت، إذ أن لبنان اليوم هو بلد منكوب ولا يستطيع الصمود ربما حتى الشهرين المقبلين. وإنطلاقاً من ذلك جاءت كلمة عون لتزيد الأمور تعقيداً، وكأنه يقول أننا سندير حالة الإنهيار حتى إشعار آخر. هكذا يواجه لبنان مصيراً أسودَ، فهو لن يكون قادراً على مواكبة التطورات، لا في حالة الحرب التي قد تنهي بنيته ولا في تشكيل حكومة متأخرة لن تكون أيضاً قادرة على حل المشكلات والأزمات. أما التعطيل من أطراف واثقة بقوتها فتؤكد رهنها لبنان للخارج.