//Put this in the section

سوريا… نصف قرن من الإستبداد

مسعود محمد – ميلانو

مسمّى «الحركة التصحيحية» الذي أطلقه الفريق حافظ الأسد على انقلابه العسكري ضدّ رفاقه في حزب البعث، يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، لم تكن تسمية عبثية، فهي حركة غيرت مسار سوريا وأبعدتها عن الهم القومي العربي، وقضية فلسطين رغم وصف سوريا من غير حق بقلعة العروبة، والأهم كان تكريس حكم الشخص الى الأبد، والأقلية للأكثرية، على حساب كرامة الشعب السوري وحريته، لذلك كان أول شعارات الشعب السوري في إنتفاضة العام 2011 شعارين سحريين “حرية”، و”الشعب السوري واحد”.




وصل حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في سوريا عبر انقلاب عسكري في الثامن من آذار لعام 1963م، بقيادة لجنة عسكرية خماسية عملت على إستكمال تغيير وجه سوريا التي كانت قد ملت من الإتجاه الناصري، فأتى الإنقلاب الأول على الناصرية بشكل حقيقي لحظة وصول الرئيس أمين الحافظ الى سدة الحكم في سوريا في يوليو 1963، وأصبح بمثابة قطب يتعامل مع الرئيس عبد الناصر نفسه بمنطق الندية وهو ما لم يكن يفعله الرئيس عبد الناصر قبل ذلك مع لؤي الأتاسي أو ناظم القدسي او غيرهما من الزعماء السوريين، مما أشار الى بداية تغير في سوريا كان عنوان تلك المرحلة يتلخص بإسم “إيلي كوهين” الجاسوس الإسرائيلي الأشهر الذي خرق دوائر الحكم في سوريا، إلا أن سقوطه يقال إنه أسس لمرحلة متقدمة للتعامل مع مسألة إخراج سوريا من جبهة المواجهة مع العدو، فأتى انقلاب عام 1966م، الذي أطيح بالرئيس “أمين الحافظ” ، ليمهد لوصول حافظ الأسد الى سدة الحكم بتسريح مالايقل عن 700 ضابط سني ممن كانوا ينحازون الى الإتجاه القومي العربي، ومُلئ الفراغ بضباط من الأقليات وخاصة الطائفة العلوية.

وعُين حافظ الأسد وزيراً للدفاع، وجرى على قدم وساق تصفية كل من يمكن أن يشكل خطرا على الإنقلاب من أركان الدولة، حتى من ساندوا حزب البعث ممن خدع بالشعارات القومية للحزب.

وفي عام 1967م اندلعت حرب بين الكيان الصهيوني ودول الطوق(مصر – الأردن – سوريا) واستطاع الصهاينة في هذه الحرب احتلال غزة وسيناء والقدس والضفة الغربية والجولان، وكانت مشاركة الجيش السوري خلال هذه الحرب خجولة في مساندة مصر والأردن، حتى قيل إن هذا كان من أسباب النكبة والخسائر الكبيرة في العتاد والأرواح إضافة للمناطق الجديدة التي سلبتها اسرائيل، ومن الفارقات أن أذاع وزير الدفاع (حافظ الأسد) خبر سقوط القنيطرة قبل ثلاث ساعات من حصوله.

ثم بدأت الخلافات تظهر بين شركاء الإنقلاب (صلاح جديد (الأمين القطري المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي) وحافظ الأسد (وزير الدفاع، ووصلت إلى ذروتها عندما رفض حافظ الأسد المساندة الجوية للقوات السورية التي تدخلت في الأردن لصالح منظمة التحرير الفلسطينية في حربها مع المملكة الأردنية فيما يعرف بأحداث أيلول الأسود، ما أدى لفشل مهمة القوات السورية، فدعا صلاح جديد إلى مؤتمر طارئ للقيادة القومية في 30 تشرين الأول لمحاسبة وزير الدفاع حافظ الأسد، و أصدر المؤتمر قراره الشهير بضرورة إعفاء حافظ الأسد من منصب وزير الدفاع، فسارع حافظ الأسد بأوامره للجيش باحتلال كافة فروع الحزب، بمساعدة مصطفى طلاس – رئيس الأركان – ورفعت الأسد – شقيق حافظ – الذي كان يرأس قوى الأمن.

واعتُقِل صلاح جديد ورئيس الجمهورية نور الدين الأتاسي في 13/10/1970، وفر كثيرون من أعضاء المؤتمر إلى لبنان تفادياً للاعتقال. وبقي اللواء صلاح جديد في سجن المزة حتى وفاته في 19/ آب/ 1993م، أما نور الدين الأتاسي فقد أطلق سراحه بعد أكثر من عشرين عاماً، قضاها في السجن، وتوفي بعدها بقليل. ولقي العديد من زملاء الكفاح لحافظ الأسد من البعثيين -المدنيين والعسكريين- المعارضين له المصير نفسه.

وعين أحمد الحسن الخطيب رئيسًا للجمهورية مؤقتًا، ثم جرى استفتاء شعبي شكلي في 22 آذار/ مارس 1971 على قائد الانقلاب، وزعمت وسائل الإعلام الحكومية مشاركة 95% من الشعب في العملية الاستفتائية التي فاز فيها حافظ الأسد (بأكثرية ساحقة) وصلت إلى 99.2%، ليصبح أول رئيس علوي لسوريا ولمدة سبع سنوات، تلتها استفتاءات مشابهة في أعوام 1978 و1985 و1992 و1999.

لم تنتهي الحكاية هناك، أتى الإبن بشار الأسد ليكمل ما قام به الأب ويؤسس لما سماه بالدولة المتجانسة، عبر حرب هجرت وقتلت نصف الشعب السوري. بعد نصف قرن من الهدوء التام على الجبهة الإسرائيلية السورية هل يجدد الرئيس الحالي بشار الأسد البيعة لإسرائيل ليكمل حكم سوريا المتجانسة الى الأبد.