//Put this in the section
الياس خوري - القدس العربي

إنهم أجملُ ما فينا – الياس خوري – القدس العربي

عرفت انتفاضة 17 تشرين أحد أهم منعطفاتها عندما احتل طلاب الجامعات والمدارس الشوارع، فأعطوا الانتفاضة روحاً جديداً، وكسروا أغلال الأحزاب الطائفية وأجهزة الأمن التي كبلت الجسم الطلابي اللبناني طويلاً.

فالحركة الطلابية اللبنانية التي احتلت المشهد السياسي والثفافي اللبناني في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، قامت سلطة الوصاية السورية وحلفاؤها من زعماء الطوائف اللبنانية بتكبيلها، مخرجة إياها من المعادلة الوطنية.




نظام الحرب الأهلية الذي ترسخ بعد عام 2005، في المعادلة الشهيرة بين قوى 14 آذاروقوى 8 آذار، حوّل حرم الجامعات إلى ملعب للقوى الطائفية اللبنانية، ومارَسَ القمع والتدجين من أجل تحويل الطلاب إلى ملحق زبائني بمافيات السلطة. تمَّ تغييب الصوت الديموقراطي واليساري والعلماني عن الجامعات، وكان هذا جزءاً من تراجع التعليم، وانهيار القيم الأخلاقية والسياسية والاجتماعية.

وسط تلك العتمة الشاملة، كانت مجموعات صغيرة من الطالبات والطلاب تحاول كسر هذا الجدار، وتبحث عن صوتها الخاص، وتصوغ خطاباً وطنياً ديموقراطياً، خارج اصطفافات أحزاب السلطة. اتُهمت هذه المجموعات بأنها غير واقعية، تتألف من حالمين لا علاقة لهم بالواقع.

وكان الاتهامان صحيحين. فهذه المجموعات كانت غير واقعية لأن هدفها الثورة على الواقع من أجل تغييره. كانت قراءتها للمجتمع اللبناني تدعو إلى الانعتاق من أغلال الطائفية، ومقاومة وحش النيوليبرالية الزاحف، والدعوة إلى المساواة والعدالة الاجتماعية، ووضع المعرفة في خدمة التغيير. وكانوا حالمين، لأنه من دون حُلم تصير الثقافة استهلاكاً واجتراراً، ويتحول الطالب إلى جزء من آلة التسلط والقمع.

وكانوا ضد الكتلتين الطائفيتين الملتحقتين بأجندات خارجية وتتصارعان على السلطة والصفقات والنهب.

كان هؤلاء الشابات والشبان مقتنعين بأن كل مكوّنات الطبقة الحاكمة مسؤولة عن خراب لبنان، وأن الطائفية السياسية هي في أحد أبرز وجوهها عمالة للخارج، وأن هذا النظام الطائفي سيأخذ لبنان إلى الخراب.

هكذا أتى شعار «كلن يعني كلن»، ليكون الشعار المركزي لانتفاضة 17 تشرين.

لم يأتِ هذا الشعار من الفراغ، ولم يكن مجرد هتاف عفوي أطلقته المخيلة الشعبية لحظة انفجار الغضب في 17 تشرين. إنه شعار يلخص تراكماً صنعه هؤلاء الحالمون غير الواقعيين، في أقصى عزلتهم، حين كان الخطاب الطائفي يمسك بخناق الناس ويجرهم إلى خنادق حرب أهلية نائمة.
أما القضية الوطنية، أي قضية مقاومة الاحتلال، فقد اتخذت عند هذه المجموعات شكل الارتباط بالاستقلال الوطني والإخلاص لفكرة فلسطين بصفتها فكرة حرية.

في الجامعة الأمريكية في بيروت، تأسس تيار سياسي طلابي، أطلق على نفسه اسم النادي العلماني، هذا النادي الذي نشأ سنة 2008، وتعاقبت على قيادته أجيال مختلفة من الطالبات والطلاب، كان أحد أهم بؤر هذا التوجه الجديد، الذي قاوم مدّ الأحزاب الطائفية في الجامعة، وبدا للكثيرين كمجموعة هامشية.

ماذا جرى يوم الجمعة 13 تشرين الثاني- نوفمبر سنة 2020 أي بعد سنة من اندلاع الانتفاضة وبعد ثلاثة أشهر من انفجار المرفأ الذي حطم بيروت، وبدا وكأنه مزّق روحها؟

في ذلك اليوم جرت انتخابات مجلس الطلبة في الجامعة الأمريكية التي حملت ثلاث مفاجآت.

المفاجأة الأولى كانت قرار أحزاب السلطة بعدم المشاركة. فهذه الأحزاب التي احترفت الألاعيب الانتخابية، ونجحت طوال العقد الماضي في تهميش الطلاب الديموقراطيين واليساريين والعلمانيين، لم تجرؤ على خوض الانتخابات خوفاً من البهدلة. فلقد عجزت مافيات السلطة عن صوغ خطاب يستطيع أن يتوجّه إلى الطلاب، معلنة أنها قوى خرساء. فالكلام السياسي المبتذل وألاعيب الطبقة الحاكمة فقدت كل معانيها أمام هول الهاوية التي قادت لبنان إليها.

المفاجأة الثانية كانت تكتل بعض المستقلين ومعهم مجموعات من أحزاب السلطة الذين لبسوا قناع الثورة، وخاضوا الانتخابات بلوائح تدّعي الاستقلالية. هذه الحملات لم تكن سوى تكتلات انتخابية ظرفية، أضفت جواً من المنافسة على العملية الانتخابية، لكنها أكّدت المؤكد، أي طرد أحزاب السلطة. والطريف أن بعض بارونات الانتفاضة أعلن تأييده لها في مواجهة النادي العلماني.

لكن المفاجأة الثالثة المتوقعة كانت اكتساح النادي العلماني لمواقع الحكومة الطلابية، معلناً ولادة تمثيل طلابي جديد وجذري. هذا التمثيل يحمل شعارات انتفاضة 17 تشرين، لأنه كان جزءاً من الموجة الشعبية التي صنعتها، وهو يعلن بداية استعادة الحركة الطلابية لصوتها الخاص والمتميز، صوت التغيير والعدالة الاجتماعية والعلمانية.

يستحق شابات وشبان النادي العلماني أكثر من تحية، إنهم أجمل ما فينا. معهم يولد وطن جديد، وفي صوتهم يتجسّد الألم والحلم، وفي خطابهم السياسي والمطلبي تستعيد الكلمات معانيها.

تجربة النادي العلماني بدأت تتحول إلى ظاهرة في كثير من الجامعات ومعاهد التعليم العالي، وربما كان التحدي الأكبر الذي يواجه النوادي العلمانية واتحاد الشباب الديموقراطي هو اختراق قلاع الميليشيات في الجامعة اللبنانية، واستعادة الجامعة الوطنية من أسْرِها.

لا أسعى إلى تضخيم دلالات انتخابات طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت، فالمعركة لا تزال طويلة وصعبة ومعقدة، في ظل إصرار الطبقة الحاكمة على أخذ لبنان معها إلى انهيارها.

لكنني أريد أن أشير إلى أن الذين راهنوا على انكسار موجة الانتفاضة، يجب أن يعلموا أن الموج يخبئ أسراره، فانكسار موجة لا يعني هزيمة البحر.
الوعي الجديد الذي صنعته انتفاضة تشرين سوف يكون بداية عملية تغيير شاملة بدأت في الجسم الطلابي ولن تتوقف هناك.