//Put this in the section

هل يؤلف الحريري حكومة ترضي “حزب الله” وعون؟

سركيس نعوم – النهار

غادر يوم الجمعة الماضي الموفد الفرنسي دوريل لبنان الى باريس بعد يومين ونيّف من اللقاءات والمحادثات مع قادة شعوب لبنان وطوائفه الذين اعترف رئيسه إيمانويل ماكرون بكونهم أصحاب القرار الفعلي والنهائي فيه في زيارتيه لبيروت بعد انفجار مرفئها أو تفجيره. لا يستطيع اللبنانيون حتى الآن لا سيما المعنيون منهم بالمبادرة الفرنسية تحديداً بجوهرها وهو تأليف حكومة لبنانية تقود عملية الإصلاح على معظم الصعد وتفتح الباب أمام بدء صندوق النقد الدولي والدول والمقتدرة التي تتولى عملياً تقديم الدعم للدول المتعثرة الإعداد لمؤتمر دعم للبنان تتولى باريس قيادته، لا يستطيع اللبنانيون معرفة إذا كانت مهمة دوريل ناجحة، وإذا كان قادتهم “حطّوا عقل الرحمن في رأسهم”، وبدأوا فعلاً العمل لتأليف حكومة. سبب العجز عن القدرة على استشراف هذا الأمر هو فشل التجربة الفرنسية الأولى بعجز الرئيس المكلّف مصطفى أديب عن تأليف حكومة تنفّذ “المهمات” التي وضعها لها ماكرون في آب الماضي، ثم عدم وضوح حظوظ الرئيس الذي كُلّف بعده تأليف حكومة “المهمة” نفسها في النجاح في هذا الأمر رغم استمرار الرعاية الفرنسية له وللحكومة التي سيؤلف. علماً أن سقفها قد انخفض كثيراً عن ما كان عليه يوم بادر ماكرون بكل ثقة قبل أشهر الى التحرّك. وقد بدأ الانخفاض بتغيير الأخير نفسه طرحه إذ انتقل من الحديث عن حاجة لبنان الى “عقد وطني” جديد الى الدعوى الى حكومة “توافق وطني” التي تعني للبنانيين “حكومة وحدة وطنية”. وهم يئسوا من حكومات كهذه لأنها ومنذ اتفاق الطائف عطّلت الدستور بإلغائها مجلس الوزراء وبتحويله صورة مصغرة ومشوّهة عن مجلس النواب المشوّه أصلاً لأحلام المواطنين، الأمر الذي ألغى المحاسبة والفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية مع استمرار التواصل بينهما. الأسبوع الماضي ومع دوريل موفد ماكرون تأكّد اللبنانيون أن سقف الدور الفرنسي في لبنان يزداد انخفاضاً. فهي صارت مهتمة بتأليف حكومة لبنانية سواء كانت مطابقة لمواصفة آب الماضي التي وضعها كتابةً ماكرون أو غير مطابقة لها، رغم استمرار رفع شعارات “حكومة المهمة والوزراء الاختصاصيين والمستقلين” والدليل على ذلك التخلّي عملياً عن الحكومة الاختصاصية والمستقلة والاعتراف النهائي بحكم قادة لبنان وطوائفه ومذاهبه بل شعوبه الذي قدّمه سيّد قصر الإليزيه في قصر الصنوبر وهو مقر إقامة سفيره في بيروت، بل الاعتراف لكل منهم بأن يتمثل في الحكومة وإن من دون بطاقة انتماء حزبي وسياسي رسمية، وبأن من حقّهم تكرار أسلوب التأليف الذي كرّس الانقسام الوطني، وعمّم ثقافة الفساد في العمل السياسي، وعمّق الشراكة الفعلية ليس في السلطة فقط بل ليس في السلطة وفي تأمين مصالح الناس بل في تقاسم المكاسب غير الشرعية. كما أبقى لهؤلاء القادة حرية التقاتل العلني دفاعاً عن “الدين والمذهب والطائفة” كي يبقى كلٌ منهم “قابضاً” على جماعته، وكي لا ينقطع رزقهم السياسي وغير السياسي.
طبعاً لا يرمي هذا الكلام الى لوم فرنسا ورئيسها ماكرون. فهي قامت بما عليها لكن اللبنانيين لم يقوموا بما عليهم فغشّوها وأحرجوها. وليس سهلاً عليها الاعتراف بالفشل رغم أنها تدرك اقترابها منه، ولذلك فإنها تحاول تلافيه. لكنه يبقى فشلاً سواء “ألّفت” حكومة لبنانية جديدة أو عجزت عن ذلك. والطريقة التي ستخرج بها نفسها من هذه الورطة الماكرونية هي، بعد تدني مستوى الموفدين والاتصالات، الاحجام عن التدخل وعدم بذل الجهود التي وعدت بها لعقد مؤتمر دعم للبنان، ولإعادة إحياء تعهدات “مؤتمر سيدر” ولاستئناف “الضغط” على المؤسسات الدولية ومنها “صندوق النقد” لدخول معترك مساعدة بلاد الأرز. وهو متردّد في ذلك ليس فقط لأسباب سياسية كما يحلو لجهات لبنانية عدّة أن تعتقد وهي موجودة، بل أيضاً لعدم الثقة في “الطبقات” أو بالأحرى المنظومة السياسية الحاكمة كما في المنظومات المالية والاقتصادية والمصرفية التي سيحفظ لها اللبنانيون دائماً “شرف” تعمّدها إفلاس لبنان وانهياره. هذا فضلاً عن أن باريس أدركت من اتصالاتها مع أشقاء لبنان المقتدرين ومع أصدقائه الدوليين المهمين أن هؤلاء ليسوا في وارد مساعدته لأنه غير راغب في مساعدة نفسه أو عاجز عن ذلك بسبب انقساماته وهي مزمنة، وثانياً بسبب إمساك من يعتبرونه عدواً فعلياً لهم كونه ممثلاً “لبنانياً” لجهة إقليمية “غير قليلة” عذّبتهم كثيراً منذ تأسيسها عام 1979، وهي إيران الإسلامية التي لا تزال تخربط خططهم ومشروعاتهم عبر حلفائها وفي مقدمهم “حزب الله”. وهو كما يعرفون، علماً أنه لا يخفي ذلك أبداً، “جنديٌ في جيش ولاية الفقيه الإيراني” ومؤمناً بإيديولوجيا نظامه.
في اختصار ماذا أنجز موفد فرنسا دوريل في زيارته الأخيرة للبنان؟ هل استطاع إزالة العقبات من أمام نجاح الرئيس المكلف سعد الحريري في تأليف “حكومة الإنقاذ” رغم تأكد اللبنانيين من عجزها عن الإنقاذ وإن تألّفت؟ أم سيوصي باستمرار الإليزيه وسيّده ماكرون في إبداء الاستعداد لمساعدة لبنان بعد أن يُبدي لبنان الاستعداد لمساعدة نفسه؟ المعلومات المتوافرة عن هذا الأمر أشارت الى أنه حقّق “إنجازاً” عظيماً وهو تأمين اتصال هاتفي مباشر مع الشريكين الفعليين سابقاً والعدوّين (الفعليين!) حالياً الرئيس سعد الحريري والوزير جبران باسيل في أثناء زيارته للأخير. قيل أنه هو من طلب رقم الأول وأعطى الهاتف للثاني فكانت مكالمة وجيزة يُفترض أن يتبعها لقاء فكلام وبحث ثم عودة شراكة حكومية وغير حكومية أو استمرار انقطاعها مدة قد تطول وقد تقصر. في أي حال تفيد معلومات عدد من المتابعين اللبنانيين أن الحريري الذي كان “شدّد” شروطه بعد إعلان أميركا فرض عقوبات على باسيل على الرئيس عون وصهره وولي عهده باسيل. وعزوا ذلك الى عدم رغبته في مواجهة أميركا وربما الى اعتقاده أنها حزمت أمرها ولن تتركه “معلّقاً” في منتصف البئر كما هي عادتها معظم الأحيان. من هنا إصراره على عدم التحاور مع باسيل واعتبار عمّه الرئيس محاوِراً عنه، وعلى تعيين وزراءٍ مسيحيين ومسلمين سنّة ودروز وربما أرمن وعلى عودته الى المداورة في الحقائب كلّها. لكن هؤلاء المتابعين يؤكدون أن الحريري عاد عن ذلك كله وصار مستعداً للتعاون أولاً مع “الثنائية الشيعية” ووفق شروطها، وهو بذلك يؤكد موقفاً كان أبلغه إليها. وصار مستعداً أيضاً لأن يتوافق مع عون على كل الأمور وكذلك لأن يجتمع مع الوزير باسيل ويتفاهم معه على طلباته واحتمال تلبيته لها فالبلاد صارت في أمسّ الحاجة الى حكومة. والثنائية ولا سيما “حزب الله” صاحب الكلمة الأولى وربما الأخيرة في البلاد صار مضطراً الى حماية باسيل والدفاع عنه وعن مصالحه وعن استمرار التحالف مع تياره رغم الخلافات المتنوّعة التي نشأت بينهما، بعدما استهدفته أميركا بعقوبات وبعدما ردّ عليها بطريقة غير مألوفة عند غالبية سياسيي لبنان. والحريري لا يبدو جاهزاً لاستمراره في “المنتعة” أو قادراً على التخلّي عن التكليف وتالياً عن العمل السياسي. لذلك فإن حكومةً قد تُبصر النور في وقت غير بعيد.
هل هذا الاستنتاج صحيح؟