//Put this in the section

الداعي الشهال: من عداوة النظام السوري إلى الموت بتركيا

جنى الدهيبي – المدن

نعت اليوم الأحد 15 تشرين الثاني، هيئة العلماء المسلمين في لبنان، الشيخ داعي الإسلام الشهال، الذي توفي بمكان إقامته في تركيا، متأثرًا بإصابته بفيروس كورونا. وفور وفاته، نعى نجله جعفر الشهال والده، كاتبًا: “كانت وصية والدي رحمه الله أن يدفن حيث مات وأن يعجل في الدفن وفق  تعاليم سنة رسول الله.. فقد مات مريضًا شهيدًا مهجرًا عن أرضه وأهله فما أحسنها من ميتة.. بعد أن اخرجه  بعض الأمنيين في لبنان..”.




الشهال، وهو أحد أبرز مؤسسي التيار السلفي في لبنان، أثارت سيرته جدلًا واسعًا، لم يقتصر نطاقها على طرابلس وحسب، وإنما امتدت مع تمدد حركته في بعض المناطق، مثل المخيمات الفلسطينية وصيدا والضنية والبقاع، من خلال معاهده الدينية التي افتتحها برعاية “جمعية الهداية الاسلامية” التي كان يرأسها. ورغم أن وفاته تسببت بحزنٍ كبيرٍ لمحبيه في مدينة طرابلس وخارجها، وقد عبروا عن ذلك بمنشورات نعوه فيها، إلّا أن لداعي الشهال خصوم كثر أيضًا، يتهمونه بالتطرف والإرهاب، بعد أن شكلت أحداث الضنية في العام 2000 ضد الجيش حدًا فاصلًا. وكان الشهال قد اتهم بالضلوع في قيادتها مع بسام كنج (أبو عائشة)، المنتمي فكريًا إلى تنظيم القاعدة الإسلامي.

فما هي أبرز المحطات في سيرته؟
في الواقع، تأسست الحركة السلفية المنظمة في لبنان عام 1946 على يد والد داعي الإسلام الشيخ سالم الشهال، الذي كان قد أرسل أبناءه الثلاثة: داعي الإسلام، وراضي، وأبا بكر، لتعلم الشريعة في الجامعة الإسلامية في السعودية، ثم آلت زعامة الحركة السلفية لاحقًا إلى نجله داعي الإسلام، ويمكن القول أنه جسّد المرحلة الثانية من العمل السلفي، بدمجه المسار الدعوي بالسياسي، وصار يُعرف بمؤسس “الحركة السلفية في لبنان”. وهنا، يعتبر الصحافي اللبناني صهيب جوهر، وهو يعدّ ورقة بحثية حول “الحركات السلفية – الجهادية في لبنان”، أن الزمن الفعلي للحركة السلفية بدأ مع داعي الشهال بعد والده في مطلع السبعينات. ويشير لـ”المدن” أن “الشهال الأب أنشأ الحركة السلفية تحت عناوين محاربة المد الصوفي”، وأن الشهال تلقى دعمًا كبيرًا عبر وزارة الأوقاف السعودية لفترات طويلة، حين شكل مع مجموعة من خريجي المعاهد الدينية السعودية جماعة أطلق عليها “مسلمون”. كانت تحذّر من المشاركة في الموالد الصوفية وترفض إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف.

وقال جوهر: “أرسل الشهال أبناءه لدراسة العقيدة في الجامعات السعودية، ليتولى فيما بعد نجله داعي الإسلام قيادة الفكر السلفي في الساحة اللبنانية، متسلحاً بدعم جهات دينية سعودية، ثم شكل الرجل مجموعة جهادية أوائل الثمانينيات أطلق عليها “نواة الجيش الإسلامي” لمقارعة المد الشيوعي والقومي في الشمال، وأنشأ حينها معسكرات تدريب في جبال الضنية الشمالية، عقب اجتياح الجيش السوري لطرابلس”.

وأشار جوهر أن داعي الشهال عاد إلى طرابلس من السعودية بوساطة من النائب السابق فتحي يكن مع رئيس المخابرات السورية في لبنان، غازي كنعان، وأسس فور عودته مطلع التسعينات جمعية الهداية والإحسان ومعاهد شرعية في طرابلس وعكار وغيرها من المناطق، حيث استقطبت المراكز السلفية عددًا كبيرًا من القرى الشمالية، ليعاد وتغلق منتصف التسعينات”.

رفيق دربه
يحكي عضو هيئة العلماء المسلمين، الشيخ سالم الرافعي، في حديث لـ”المدن”، عن سيرة داعي الشهال، ويصفه بـ”رفيق دربه”. وقد واكبه لفترات طويلة من أيام الدراسة. في العام 1980، توجه الرافعي مع الشهال إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وتخرجا سويًا في العام 1984، وفق روايته، ثم عادا إلى لبنان. وقال: “كان لنا في العام 1985 شرف المشاركة بمقاومة الإحتلال السوري، ثم اضطرينا إلى مغادرة لبنان نتيجة الضغط علينا، فتوجه الشهال إلى الإمارات وتوجهت أنا إلى ألمانيا”.

لم يلتقِ مجددًا كل من الشهال والرافعي حتى العام 2005، أي بعد 20 عامًا من عودة الرافعي إلى لبنان. تابع: “استطاع الشهال أن يعود إلى لبنان عام 1990، وتحديداً إلى صيدا، بينما لم أعد مثله بظل احتلال النظام السوري”. وفي العام 1992، وفق الرافعي، عاد الشهال إلى طرابلس وفتح معهد الهداية، وكان له فروع في صيدا وفي الضنية وفي البقاع أيضاً، ثم افتتح إذاعة “الكلمة الطيبة”، إلى أن اضطر لإغلاق معاهده في العام 1995، بأمر من النظام السوري، على حد تعبيره.

يرفض الرافعي اتهام داعي الشهال بالتورط بأحداث الضنية، مشيرًا إلى أن براءته تجلت بعد التراجع عن حكم الإعدام الذي صدر بحقه غيابيًا، إلى أن صدر العفو العام في 2005، وعاد مجددًا إلى لبنان.

ومن المحطات البارزة في حياة الشهال، وفق الرافعي، كانت الثورة السورية في العام 2011، إذ كان يعمل على تأمين الدعم المالي والإغاثي للمقاتلين ضد الجيش السوري، وبقي في لبنان حتى تنفيذ الخطة الأمنية في طرابلس في العام 2014، وغادر إلى تركيا قسرًا نتيجة اتهامه بالتورط في أحداث جبل محسن – باب التبانة، وقد سبق أن اعتقلت القوى الأمنية نجليه زيد وجعفر على التوالي، على خلفية الأحداث نفسها، قبل الافراج عنهما.

وقد اتهم الشهال مرارًا بامتلاكه لمخازن أسلحة خطيرة في الشمال. ففي العام 2014، صدر عن الجيش وثيقة أمنية لتوقيف داعي الاسلام بعد عدد من التسجيلات، كان يدعو فيها للانشقاق عن الجيش، وبعد العثور على مستودع أسلحة في منزل الشيخ بلال دقماق في أبي سمراء وإعلانه أنّ هذه الأسلحة تعود إلى الشهّال. ومع ذلك، يعتبر الشيخ سالم الرافعي أن الشهال كان يلعب دور التهدئة بين أبناء المنطقتين.

ماذا بقي لدى سلفيي لبنان بعد رحيل مؤسس حركتهم؟
يرفض الشيخ الرافعي هذا السؤال، معتبرًا أن السلفية ليست تنظيماً وإنما حركة فكرية استقطبت وما زالت تسقطب عددًا من الشباب والشابات الذين ينشطون في الدعوة. ويعترف أن نطاق هذه الحركة صار ضيقًا، ويرى أن “مجدها” كان في فترة الصحوة الإسلامية في الثمانينات، وفق تعبيره. وعن رأي الشهال بتنظيم الدولة الإسلامية قال الرافعي: “لم يقتنع داعي الإسلام يومًا بتنظيم داعش، ويرفض إلصاقه بالسلفيين، وكان يعتبر أنه شوه الإسلام كله”.

ماذا عن وجوده في تركيا؟
ينفي الشيخ الرافعي ارتباط الشهال بأي أجندة تركية أثناء إقامته هناك. كذلك ينفي صهيب جوهر الأمر، ويعتبر أن داعي الإسلام لم يكن ينشط في تركيا. لكن في الفترة الأخيرة، وفق جوهر، كان الشهال من أشد المعارضين للسعودية، “رغم أن آل الشهال تاريخيا كانوا من أبرز الداعمين في لبنان للمملكة، وكان يهاجم على تويتر محمد بن سلمان بحجة أنه يعمل على إقصاء رجال الدين، مقابل دفاعه عن تركيا، وصار يعتبرها أقرب للمشروع الإسلامي”، يضيف جوهر.

وهنا، نورد واحدة من تغريدات الشهال الأخيرة عبر تويتر جاء فيها: “الكمّ الهائل من الحقد على تركيا الجديدة استمرار لتنفيذ مخطط تمزيق الأمة، ومقدّمة للانقضاض عليها، وراءه الصهيونية والماسونية العالمية والصليبية العالمية، أدواته خونة من حكام وكتّاب وسدنة سلاطين وأغبياء.. يرفعون شعارات كاذبة هدفها الحقيقي حرب على الإسلام والمسلمين..”.  

ويختم الشيخ الرافعي بالقول: “كنا نتمنى لو أن شركاءنا في الوطن الذين ذاقوا مرارة الإقصاء والتهجير الذي مارسه النظام السوري بحقهم، أن يسهلوا عودة داعي الشهال إلى لبنان ليدفن بين أهله، لكنهم عاملونا مثلما عاملهم وعاملنا النظام السوري”.