//Put this in the section
مخدر خطير بدأ الانتشار بين الشباب اللبناني يدعى "السيسي"

مخدر “السيسي” يفتك بشباب لبنان

“كنت في منطقة قريطم متجها إلى الحمرا سيرا على الأقدام حينما أخذت أول نفس من السيجارة. بعد 10 خطوات أخذت الثاني والثالث بسرعة، وأردت تمرير السيجارة لصديقي الذي يسير بجانبي، لم أستطع، تباعدت المسافات وعجزت عن متابعة المشي وأصبح كل شيء أبطأ”. يروي كريم (24 عاما) لموقع “الحرة” تجربته الأولى مع مخدر “السيسي” الذي حصل عليه من أحد أصدقائه، بعدما كان قد سمع به كثيرا من قبل في العاصمة اللبنانية، بيروت.

منذ نحو 10 سنوات ينتشر هذا المخدر بكثافة في الأحياء الشعبية للعاصمة اللبنانية، حيث تقبل فئة واسعة من الشباب على تعاطيه وإدمانه، فيما يتم الترويج له تحت مسمى “السالفيا” أو بديلها الكيميائي، وهي عشبة من عائلة “القصعين” اسمها اللاتيني “سالفيا ديفينورام” أي “قصعين الكهان” وموطنها الأصلي في المكسيك وتحديداً منطقة “سييرا مازاتيك” الجبليَّة ضمن ولاية واهاكا، جنوب شرقي المكسيك، إذ كان ولا يزال يستخدمها شعب “المازاتيك” في تجاربهم الروحية لتسهيل التواصل والرؤى نظرا لما تسببه من هلوسات بصرية ونفسية تساعد على التجارب الروحية أو”الشامانية”.




 هلوسة وانفصام

ضربات قلب سريعة، شعور مفاجئ بالغثيان والدوار، تنميل في الأطراف والرأس وتفاعلات بصرية تصل إلى الهلوسة وتبدأ “الرحلة” أو ما يصطلح على تسميته “trip”، وهي عبارة عن عشر دقائق تقريبا من الهلوسات الذهنية والبصرية والفكرية، تتفاوت في المدى الذي تبلغه بين شخص وآخر، ولكن الوصف الأكثر شيوعا واستخداما من قبل الذين تعاطوها في لبنان كانت “تجربة الوصول إلى حافة الموت”.

يستمر كريم في نقل تجربته: “كانت الساعة الثانية فجرا حينما دخنتها، لم أعد أستطيع الحركة وسقطت على الأرض، كل المشاهد من حولي مشوهة وتتخذ شكل الدوامة، شعرت لوقت طويل وانا متمددعلى الرصيف بأنني أنظر إلى نفسي من خارج جسدي، كنت متوترا جدا من هذا المفعول الجديد كليا، وفاقد للسيطرة تماما، ولم استيقظ من هذه الحالة إلا عندما رأيت صديقي وقد قام بصلب نفسه على سياج حديدي دون أن يأتي بحركة أو حتى رمشة وكأنه منفصل عن محيطه تماما”.

ويتابع: “أيقظته من حالته واتفقنا على أن نتحرك للابتعاد عن الطريق العام خوفا من أن يلاحظنا أحد، كانت لحظات مرعبة بدأت فيها أسترجع ذكريات قديمة من حياتي في ذهني، بتسلسل عشوائي وأفكار غير منتظمة، ثم بدأت أرى مشاهد أخرى كأنها من المستقبل، والطريق يموج أمامي وأشعر كأنني في عالم آخر، ثم فجأة اختفى كل ذلك وعدت إلى الواقع، نظرت إلى ساعتي وإذ بها 15 دقيقة قد مرت علينا وكأنها ساعات، وبقي مفعول خفيف مشابه لمفعول الحشيش لمدة ساعة تقريبا”.

عباس أيضا، 20 عاما من سكان منطقة حي السلم، عاش تجربة مشابهة في أول مرة دخن فيها”السالفيا”، لكن المميز في “رحلته” إنه واجه حالة غريبة من الانفصام في نظرته إلى واقعه ومحيطه ونظرته الكاملة لحياته، ويروي عباس لموقع “الحرة” كيف أغمض عينيه بعد ثالث سحبة من السيجارة”الملغومة” بمادة السالفيا، ثم فتحهما على واقع مختلف، “شعرت بغربة عن المكان الذي كنت فيه، وكأنني لم أزره من قبل رغم انه منزل صديقي، تبدلت نظرتي لأصدقائي الموجودين، أصبت بنوبة شك وارتياب منهم وبدأت بممارسة نقد ذاتي في ذهني لهم ولنفسي و وصل بي إلى نوبة هلع وكره كبير لذاتي واستسخاف لكل ما هو موجود، ازعجني الأمر كثيرا ووصلت إلى حد الصراخ وفقدان السيطرة على انفعالاتي، فيما كان أصدقائي يعيشون نوبة من الضحك المفرط بدون أي سبب لذلك، 10 دقائق وهبط الجميع على أرض الواقع بسلام”.

آثار نفسية ومخاطر صحية

هذه العودة لا تأتي بسلام تام بحسب ما يصف عباس، فالدكتور رمزي حداد، أحد مؤسسي مركز”سكون” لعلاج الإدمان على المخدرات والوقاية منه، يكشف لموقع “الحرة”، الآثار الجانبية المترتبة على تعاطي هذا النوع من المخدرات، بعد معاينته لعدد كبير من الحالات، حيث الهلوسة  و”البارانويا” تصبح ملازمة لمتعاطي هذه المواد على المدى القصير والبعيد، فيما يرتفع بشكل كبير جدا خطر الإصابة بالذهان والفصام على المدى البعيد لاسيما لدى فئات الشباب، كل ذلك يضاف إلى الإدمان الشديد الذي تسببه هذه المادة، لاسيما بسبب عوارض الانسحاب الذي تتسبب به لدى التوقف عن تعاطيها، ما يعني أن إدمانها جسدي وليس نفسيا فقط.

نفسيا، ينعكس آثار تعاطي هذه المادة على مدمنيها على شكل قلق شديد وارتباك، شعور مماثل لجنون العظمة بشكل متطرف مصحوب بارتفاع في المزاج elevated mood، وعدم الثقة المطلقة بالآخر ناتجة عن تغير الإدراك الحسّي تجاه الأشياء والظروف المحيطة، إضافة إلى أعراض ذهان وهمية وأحاسيس وقناعات تبدو حقيقية للمتعاطي رغم بعدها عن الواقع، تصل في كثير من الأحيان إلى توليد أفكار انتحارية.

أما جسديا، تتسبب بتشوش واضطراب في الرؤية، سرعة في دقات القلب تؤدي إلى اضطرابات في ضغط الدم، والتقيؤ والتشنجات العضلية، إضافة إلى الخمول المستمر، اضطرابات في الجهاز التنفسي، واعتلالات في الجهاز العصبي.

هذه الأثار المكتشفة حتى الآن، والمشتركة بين متعاطي هذه المادة الكيميائية، على الرغم من ضعف الأبحاث والدراسات حولها، إضافة إلى أن المكونات الكيميائية لهذه المخدرات غير ثابتة وتتغير من دولة إلى أخرى وفي لبنان من شارع إلى آخر بحسب “الطبخة” والتجار، الأمر الذي يصعب عملية دراسة مواد مجهولة وغير محددة أو ثابتة.

 ليست “السالفيا”!

لكن المفاجئ، أنه وبعد الاطلاع على روايات المتعاطين، والآثار النفسية والجسدية عليهم، لا تبدو متطابقة مع ما تتسبب به نبتة “السالفيا” المكسيكية المعروفة علميا بتركيبتها الكيميائية، ولا حتى تبدو كبديل كيميائي عن تلك النبتة ومفعولها، وهذا ما يؤكده الدكتور رمزي حداد، إذ أنها عبارة عن أعشاب متنوعة مضاف إليها مواد كيميائية غير الثابتة وغير معروفة بشكل مستمر، في كل “طبخة” يكون هناك احتماليات عدة لمواد كيميائية كثيرة مسببة للهلوسة والنشوة.

ما يروج في لبنان بحسب الدكتور حداد، أشبه بمادة الـ “سبايس” وهي عبارة عن مواد كيميائية بديلة للقنب أو تقدم على أنها حشيشة كيميائية أو ماريجوانا مصنعة وهذه المواد الكيميائية تضاف إلى أي نوع من الأعشاب وتجفف ليتم تدخينها، لديها عوارض القنب العادي (نبتة الحشيشة) لكن العوارض الجانبية أشد لناحية الهلوسة والمفعول على المدى القصير ولناحية الآثار النفسية والصحية على المدى البعيد.

ما يروج في لبنان بحسب الدكتور حداد، أشبه بمادة الـ "سبايس" وهي عبارة عن مواد كيميائية بديلة للقنب، وليس الساليفا
ما يروج في لبنان بحسب الدكتور حداد، أشبه بمادة الـ “سبايس” وهي عبارة عن مواد كيميائية بديلة للقنب، وليس الساليفا

“تعمل هذه المواد على نفس المستقبلات الخاصة بالحشيش في الدماغ ولكن العوارض والمفعول مختلفواخطر كثيرا، لا سيما وأن نبتة الحشيشة في الطبيعة تحتوي على مادة cannabinoids التي تحميمن آثار مادة الـ THC المسببة للهلوسة، أما في حالة هذه المواد الكيميائية فما من مادة رديفة تحمي من العوارض والآثار السلبية.” يشرح الدكتور حداد.

كلام المعالج النفسي، يترجمه محمود (اسم مستعار) من مخيم برج البراجنة، الذي يكشف لموقع “الحرة”، عدة تركيبات كيميائية تدخل في إنتاج هذه المواد المهلوسة، “ليس مهما نوع النبتة التي ترش بالمواد الكيميائية، المهم هي المواد نفسها، في البداية كان هناك نوعا يسمى “السلفيا الصفراء” نسبة إلى لونها، كانوا يعمدون إلى رش قشر اليانسون بمادة كيميائية إسمها K2، يتم استيرادها من أوروبا وتعطي مفعولا رهيبا يختلف تماما عما يروج له حاليا، لكن قوة تأثيرها أضعفت شعبيتها فاستعيض عنها بمواد أخف تأثيراً.”

ويشير محمود إلى أن تاجر المخدرات المشهور في بيروت بلقب “أبو سلّة” في منطقة الفنار كان أول من أدخل هذه المادة وروجها في لبنان وكان الوحيد الذي يملك البضاعة الأصلية، “كان يوزّع منها مجانا على جميع زبائنه لاسيما زبائن الحشيشة والماريغوانا، ثم ما لبث أن باتت مطلوبة بكثرة ولها سوق كبيرمن آلاف المتعاطين لاسيما في المناطق الشعبية والأكثر فقرا كالمخيمات الفلسطينية وضواحي بيروت، وبسبب هذا الطلب، بات الجميع يروجها ويبحث عن خلطات كيميائية ليقوم بإنتاجها”.

يضيف محمود “البعض كان يستخدم أوراق نبتة الملوخية أو المتة ويرشها بمادة “الكيتامين” التي تستخدم كنوع من أنواع البنج البشري والحيواني، هناك بعض التجار باتوا يضيفون لها مادة الهيرويين لتسريع الإدمان عليها وحصر شرائها منهم، كذلك عمد بعض المروجين إلى رش الأعشاب بمواد نفطية كمادة “الأسيتون”، وأصبح في بيروت أكثر من 6 إلى 7 أصناف يروج لها، كل واحدة تحمل تركيبة كيميائية ونباتات مختلفة، حتى لجأ البعض إلى طباعة “لوغو” على الأكياس الموزعة لتمييزها عن غيرها، كالتاج الذهبي ورأس الأسد الأخضر وغيرها.”

ما سر جاذبيتها وانتشارها؟

“أفضل طبخات السيسي في البقاع”، يؤكد كل من كريم ومحمود، “الباب الأول” من هذه المادة يصل إلى بيروت من تجار المخدرات في منطقة بعلبك وتروج في باقي المحافظات على نطاق بات واسع جداً،من حي السلم إلى الأوزاعي والضاحية الجنوبية ومخيمات برج البراجنة وصبرا وشاتيلا، الفنار – الزعيترية، برج حمود والنبعة وحتى في الجميزة وينتج بعضها في تلك المناطق أيضاً لاسيما في مخيم شاتيلا الذي يشهد ظاهرة “دكاكين السيسي” وهي عبارة عن نوافذ يستحدثها الشبان في الجدران ويبيعون المواد من خلفها، أشهرها معروف باسم “البوابة الخضراء”.

وأطلق على المادة اسم “السيسي” كاسم مستعار للإشارة إلى السالفيا دون ذكرها، سواء في أحاديثهم أو عبر الإنترنت.

بالإضافة إلى عامل الإدمان السريع، والمفعول “الذي لا يضاهيه 20 سيجارة حشيش” بحسب ما يصف كريم، فإن عامل آخر ساهم في هذا الانتشار الواسع جدا للسيسي، فالفحوصات التقليدية التي تجريها قوى الأمن الداخلي والسلطات اللبنانية لمتعاطي المخدرات لا تستطيع أن تكشف وجود هذه المادة في الجسم، الأمر الذي شجع تعاطيها بحسب الدكتور حداد الذي يؤكد أن “فحص البول المستخدم في المخافر والمراكز الأمنية لا يكشفها وتحتاج إلى فحوصات خاصة دقيقة ومكلفة لا تجرى إلا في مختبرات قليلة في لبنان.”

كذلك فإن هذه المادة تحظى بترويج تبشيري بين الشباب اللبناني، يقول كريم إن “كل متعاط لهذه المادة يقوم بالترويج لها بشكل تلقائي، كنت من بين الأغبياء الذين صدقوا الهلوسة التي تسببها النبتة، بدأت أرى نفسي أذكى وأكثر وعيا للحياة وأكثر ذكاء، كنت أقوم بالتصرف الخاطئ وأظن أنه صحيح معظم الذين يتعاطون السيسي يقدمونها كمنقذ لأنهم يشعرون أنها انقذتهم لمدة قصيرة، الحصول عليها سهل جدا، وأسعارها رخيصة جدا حيث بالإمكان الحصول على 3 إلى 4 سجائر مقابل 10 آلاف ليرة وهذا مايفسر انتشارها في الأماكن الأكثر فقرا في بيروت”.

زبائن من نوع آخر

كارول، 28 عاما، لم تصادف “السيسي” في أحد الأحياء الشعبية أو الفقيرة من بيروت، وإنما في واحد من أشهر الملاهي الليلية في العاصمة اللبنانية، تروي لـ “الحرة” تجربة مختلفة مع هذه المادة، وتكشف عن ساحة ترويج أخرى لها.

“كنت تحت تأثير إكستاسي خلال إحدى السهرات الصاخبة، وقام أحد معارفي بتقديم سيجارة “السيسي” ونصحني بتجربتها، أثرها كان مختلفا تماما عما يحكى عنه، الامتزاج بينها وبين مادة الإكستاسي منحني مفعولا جميلا جدا وأعطاني دفعا صاخبا وهلوسة بصرية محببة ومنسجمة مع الموسيقى، كما أنها تقوي من تأثير الإكستاسي وهذا ما جعل من “السيسي” مادة مطلوبة بكثرة في الحياة الليلية وملاهي الرقص في بيروت.” بحسب ما اكتشفت كارول فيما بعد.

“كثيرون ممن كنت أعرفهم يستخدمونها في السهرات الصاخبة، وكمحفز لعقاقير الإكستاسي والـ”LSD”، وهذا سوق آخر لمادة “السيسي” في لبنان حيث باتت تحظى بشعبية عالية في أجواء السهر والحفلات الليلية”. هذا المزيج منح كارول فرصة خوض تجربة فلسفية استثنائية وعميقة فكريا غيرت نظرتها للأمور بحسب ما تروي، وتشبهها بتلك التجارب الروحية التي يعايشها متعاطو “السالفيا” الطبيعية، مشيرة إلى أنها حافظت على انقطاع زمني طويل بين التجارب التي خاضتها، ما جنبها مخاطر الإدمان عليها، وتستدرك بالإشارة إلى أن تجربتها لا تعني بالضرورة أن الجميع مؤهل للتعامل مع هذه المواد بمثل تجربتها.

وصل استخدام مادة “السيسي” في لبنان إلى حد السحر والشعوذة، حيث ألقى فرع المعلومات في فبراير من العام 2019 القبض على مشعوذ في بلدة صديقين جنوب البلاد، يستخدم هذه الأعشاب كبخور لإيهام ضحاياه بتأثيره السحري عليهم وقدرته على تلبية طلباتهم لقاء مبالغ مالية.

من يغطي المصنعين والتجار؟

تكاد لا تخلو نشرة أسبوعية لقوى الأمن الداخلي من إعلان القبض على مروجين ومتعاطين لمادة “السالفيا”، لكن حتى الآن ليس هنالك أي نشاط توعوي تجاه هذه المادة، ولا أي دراسة علمية أو نتيجة تحقيقات مقدمة تكشف نوعية هذه المواد الكيميائية ومصدرها أو طريقة تصنيعها في سبيل مكافحتها ورفع نسبة الوعي تجاهها ما يطرح علامات استفهام حول المستفيدين من استمرار الغموض المحيط بهذه المواد.

وبالقدر نفسه الذي تنتشر فيه تجارة وتصنيع مادة “السيسي” أو “السالفيا” في المناطق الخارجة عن سلطة الدولة ونفوذها، فإنها تزدهر أيضاً بقرب الدولة وأجهزتها الأمنية. في مايو من العام 2019، ألقى فرع المعلومات القبض على رقيب في قوى الأمن الداخلي يساعد في تهريب مادة السالفيا من البقاع إلى بيروت وترويجها في جبل لبنان.

يعجز محمود عن نسيان مشاهد صادفها في مخيم شاتيلا خلال تقربه من أحد مروجي السالفيا فيفترة تعاطيه لها، مشاهد كان تأثيرها مساوياً لتأثير “السيسي” بحسب ما يقول. “ضباط وعناصر أمنية ورجال دين، كانوا ينقلون هذه المواد إلى المخيم ويسلمونها للمروجين رأيتهم بأم عيني، مافيا وأحزاب وعشائر متورطة في التصنيع والتجارة، وكما هي الحال مع كل أنواع وأسواق المخدرات في لبنان، الكل يستفيد منها.”