//Put this in the section
مروان اسكندر - النهار

غياب السلطة عن الوعي – مروان اسكندر – النهار

خلال الاسبوع المنصرم وبداية هذا الاسبوع، توافرت دلالات قاطعة على ان السلطة غائبة عن الوعي: الوعي الى حاجات اللبنانيين، والوعي الى درجة تدهور الاقتصاد (انخفاض الدخل القومي بنسبة 25% قبل احتساب الانخفاض المقبل مع فرض حجْر مدى 15 يومًا، يضيف الى نسبة الانخفاض 5% على الاقل فيصبح عند مستوى 30%). انخفاض كهذا يتجاوز ما شهدته الولايات المتحدة الاميركية في ازمة اواخر العشرينات من القرن الماضي، والتي استمرت حتى عام 1934 ولم تكن لتنتهي لولا استماع الرئيس روزفلت الى نصائح الخبير الاقتصادي البريطاني كينز الذي نصح الحكومة بتنفيذ المشاريع التجهيزية الكبرى ولو على حساب زيادة المديونية.

لا نحتاج في لبنان الى ذكرى كينز، فمديونيتنا تفوق النسب التي يجوز تجاوزها اذا كان لنا ان نتفادى تدمير فرص البلد باستعادة العافية، والأمر الغريب العجيب هو ان العهد لم يتحسس تدهور اوضاعه من المؤشرات الآتية:




المؤشر الأهم كان في استفاقة النائب ابرهيم كنعان، العضو الناشط في “التيار الوطني الحر”، والمسؤول عن تشذيب ارقام الموازنة ومحاولة منع الهدر. فهو كتب مقالاً في “النهار” تحت عنوان “أيّ مهمة؟” تحدّث فيه عن سيئات في معالجة الشأن المالي، بحسب رأيه منذ عام 1993، مسجِّلاً ملاحظات مهمة خصوصاً منذ العام 2010 حتى اليوم. فهو كان رئيس لجنة المال والموازنة في مجلس النواب لمدة عشر سنين.

يسأل بل يتساءل: “أين نحن من المهمة الانقاذية، وأين ما سُميت “حكومة المهمة” التي شكلت جوهر التزامنا محلياً ودولياً في ظل المبادرة الفرنسية على وقع صرخات شبابنا وأنين شعبنا؟”. ويضيف: “لقد انهارت كل مصطلحات المراحل السابقة وشعاراتها السياسية والحكومية، وباتت ثلاثية إصلاح – محاسبة – ثقة هي المهمة وكل ما نريد ونحتاج لانقاذ الجمهورية وناسها”.

الأكيد أن ابرهيم كنعان يعاني مِن همّ إنقاذ الجمهورية، ولديه توصيات جيدة، منها ما يطاول منطلقات ممثلّي حزبه وممارساتهم. ومن التوصيات “انجاز الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وتنفيذ الاصلاحات في الكهرباء (وهذا ما طالبت به “النهار” منذ عشر سنين)، وتحصين استقلالية القضاء وانشاء المحكمة الخاصة بالجرائم المالية والتدقيق الجنائي على مصرف لبنان وكل مؤسسات الدولة واداراتها”، وهذا يشمل وزارة الطاقة المسؤولة عن 50% من الدَّين العام خلال عشرة أعوام انقضت، ولا عجب ان يطالب بكبح التسليفات للكهرباء وتقييد النفقات على الهيئات الشعبية التي تحظى بمعونات ربما لا تذهب الى المحتاجين فعلاً.

يقول: اذا شئنا وقف الانهيار المالي والاقتصادي واعادة هيكلة القطاع العام والقطاع المصرفي واستعادة المبادرة على صعيد الدولة ومؤسساتها، كما دفن التسويات والفساد والشروع بالمحاسبة وتطبيق القوانين … هذه هي المهمة التي تسترد حياة لبنان، وتنفيذها يستوجب تأليف حكومة وُصفت بـ”حكومة مهمة”. فهل كانت حكومة حسان دياب وشخصية رئيسها هي الحكومة؟ بالتأكيد كلا، والمطلوب حكومة لا يقرر الرئيس ميشال عون توزيع حقائبها، فهو من أركان عهد السنوات العشر الكارثية المنقضية.

المؤشر الثاني الى استشعار اهل الحكم لأبعاد الكارثة التي يواجهها لبنان تجلّى في الكلمة التي صاغها الاستاذ رفيق شلالا عن انجازات العهد بعد انقضاء أربع سنوات على انطلاقه، فهو الصحافي المحترف والعامل مع اكثر من رئيس جمهورية على صوغ البيانات التي تظهر الانجازات، لم يتمكن من توضيح اي انجاز سوى اشارته الى ان الرئيس مارس مهمات يقرها له الدستور في مادة كثيرا ما يلجأ الى استخدامها الوزير السابق سليم جريصاتي.

ذروة الفشل في مواقف العهد تجلّت في حديث الوزير السابق جبران باسيل على التلفزيون بعد صدور اتهامات بحقه، فهو أخذ على عاتقه الادعاء بان السلطات الاميركية لا وثائق لديها وإلا لما صرحت السفيرة بان المعلومات ستبقى سرية.

بالتأكيد من الصعب تصديق الوزير السابق باسيل في ادعاءاته، خصوصا ان السفيرة اصدرت توضيحاً بالنسبة الى العقوبات الاميركية، وانها تطاول باسيل شخصياً، واوضحت موقفه من “حزب الله” وان بعض مطالبه كانت غير واقعية، كما اكدت ان هناك عقوبات اضافية ربما على باسيل وعلى الكثير من السياسيين والاداريين اللبنانيين، لم يُعلن عنها حتى تاريخه وستكون مدوّنة في وقت قريب.

ما بين جبران باسيل وتصريحاته بنقاء مسيرته وتصريحات السفيرة الاميركية، من الواضح ان تصريحات الأخيرة هي الادق.

أخيراً لا بد من التصدي للادعاء العام بان “التيار الوطني الحر” هو الحزب الاعمق تمثيلاً لارادة المسيحيين. والواقع ان ادعاء كهذا يحتاج الى دراسة حقلية تطاول مليون مسيحي على الأقل.

الأمر المعروف ان “التيار الوطني الحر”، في الانتخابات النيابية الاخيرة التي شابها تساؤل عن جدوى الصوت الاختياري ومدى مناقضته لما يسمى ديموقراطية التمثيل، هو ان “القوات اللبنانية” حققت نتائج على مستوى التصويت الشعبي تجاوزت ما حققه “التيار الوطني الحر”، اضافة الى ان ادعاء قادة “التيار” انهم يمثلون 18 نائباً في المجلس غير صحيح. فهنالك خمسة نواب اعلنوا انفصالهم عن برامج “التيار”، وأحدهم قائد فوج المغاوير سابقاً العميد شامل روكز، عبَّر عن معارضته لبعض ممارسات “التيار”، خصوصا في ما يتعلق بإدارة تأمين الكهرباء بوضوح.

سيدي الرئيس، تيارك لا يمثل غالبية المسيحيين، وثمة قياديون في “التيار” لا يوافقون على سياسات رئيسه، فنرجو ان تدرك ان التشبث باختيار ممثلين لك في الحكومة أمر سيؤدي الى فشل كل مساعي التقيد بشروط الهيئات المانحة الدولية او الممثلة لبلدان معنية.
لعلها تكون الفرصة الاخيرة لانقاذ لبنان من محنته.