//Put this in the section

هزيمة استراتيجية.. كيف أهدى ترامب للصين قيادة أكبر تجمع اقتصادي في العالم وهمش أمريكا بيديه؟

إنها لحظة بائسة في تاريخ أمريكا، حيث تم تدشين منطقة الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تضم 15 دولة، لتصبح أكبر منطقة تجارة حرة في العالم، وبقيادة الصين، ومن دون وجود الولايات المتحدة الأمريكية.

تمثل هذه الحقيقة الصادمة التي قد يكون كثير من الأمريكيين قد اكتشفوها اليوم للتو، نتيجة مباشرة لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قدَّم نفسه باعتباره الرئيس الذي سيُوقف الزحف الصيني، ولكنه أسهم في تنحية بلاده عن المسرح الاقتصادي الآسيوي.




فاليوم 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، انطلقت أعمال قمة افتراضية تجمع 15 دولة في آسيا والمحيط الهادي، من المتوقع أن تختتم الأحد بتوقيع اتفاق شراكة اقتصادية قد تعد الأضخم في العالم، وسميت الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP)، ويشكِّل أعضاؤها 30% من إجمالي الناتج المحلي العالمي وثلث سكان العالم.

وتشمل الاتفاقية الجديدة 10 اقتصادات في جنوب شرق آسيا (مجموعة الأسيان والتي من أبرز أعضائها إندونيسيا وتايلاند وفيتنام وماليزيا والفلبين)، بالإضافة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا وأستراليا.

كما كان يفترض أن تنضم الهند أيضاً إلى هذا الاتفاق التجاري غير المسبوق، لكنها قررت، العام الماضي، الانسحاب منه خوفاً من غزو المنتجات الصينية الرخيصة الثمن لأسواقها، ومع ذلك لدى نيودلهي خيار الانضمام إلى هذه الاتفاقية لاحقاً.

ورغم أنه لن يُسمح للبلدان الأخرى بالانضمام إلى RCEP لفترة زمنية معينة، بعد أن تصبح سارية المفعول، فإن هذا البند لن ينطبق على الهند، إذ يخطط الأعضاء لإعداد وثيقة منفصلة تسمح لنيودلهي بالمشاركة في أي وقت إذا اختارت القيام بذلك.

وقال وزير التجارة الماليزي محمد عزمين علي، وذلك على هامش انطلاق القمة التي تُعقد بشكل افتراضي بسبب انتشار وباء كورونا: “بعد ثماني سنوات من المفاوضات والدماء والبكاء، وصلنا أخيراً إلى لحظة إبرام اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة”.

من جهته، أكد رئيس الوزراء الفيتنامي نغوين شوان فوك، في تصريحات تمهيدية قبل القمة، أن الاتفاق سيوقع خلال الأسبوع الجاري.

تفاصيل اتفاقية منطقة الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة

ستؤدي RCEP لخفض التعريفات، ووضع القواعد في حوالي 20 منطقة، بما في ذلك تدفقات البيانات عبر الحدود.

ستعمل الاتفاقية على إزالة التعريفات الجمركية على المنتجات الزراعية والأسماك، أقل مما تفعله الشراكة عبر المحيط الهادي أو اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين اليابان والاتحاد الأوروبي، نظراً لوجود العديد من مصدّري الأغذية في كتلة RCEP.

ووفقاً لاتفاقية RCEP، سيتم إلغاء الرسوم على 61% من هذه الواردات من قبل أعضاء رابطة دول جنوب شرق آسيا وأستراليا ونيوزيلندا، إلى جانب 56% من الصين و49% من كوريا الجنوبية.

قمة الآسيان واليابان في بانكوك بتايلاند/رويترز

أما بالنسبة للصادرات اليابانية، فمن المتوقع أن تلغي الصفقة التعريفات الصينية على بعض المحارات الصدفية في العام الحادي عشر، بعد دخولها حيز التنفيذ، والرسوم الكورية الجنوبية على الحلوى في العام العاشر، والرسوم الإندونيسية على بعض لحوم البقر فور دخولها حيز التنفيذ، كما سيتم إلغاء الرسوم المتعلقة بالمشروبات الروحية اليابانية.

ستُبقي اليابان على رسوم الاستيراد على 5 فئات من المنتجات الحساسة سياسياً (لأسباب داخلية): الأرز والقمح ولحم البقر ولحم الخنزير ومنتجات الألبان والسكر.

في المقابل، ألغت طوكيو رسوم الاستيراد على 82% من المنتجات الزراعية والسمكية، بموجب اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، واتفاقها مع الاتحاد الأوروبي.

الولايات المتحدة أصبحت خارج الاتفاقيتين الأبرز في آسيا

وفي حين يشكك بعض المراقبين في التماسك المحتمل لـRCEP، فإن إنشاءها سيترك الولايات المتحدة تعاني خارج اتفاقيتين تجاريتين آسيويتين رئيسيتين قائمتين، حتى في الوقت الذي تسعى فيه إلى مواجهة وتحييد طموحات الصين في آسيا.

فقد اكتسبت RCEP زخماً بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي (TPP).

ففي يناير/كانون الثاني 2017، أي بعد ثلاثة أيام من رئاسته، سحب الرئيس دونالد ترامب الولايات المتحدة من الشراكة عبر المحيط الهادي (TPP).

وهي اتفاقية تجارية تضم 12 دولة (استبعدت الصين) رعتها إدارة أوباما بشق الأنفس. وصف كورت كامبل، الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادي في عهد أوباما، الشراكة عبر المحيط الهادي بأنها “شرط لا غنى عنه” لسياسة أوباما “المحورية نحو آسيا”.

وقال جراهام أليسون، الأستاذ في جامعة هارفارد، إن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي الأصلية، التي تفاوضت عليها إدارة أوباما، كانت ستضع حوالي 40% من الاقتصاد العالمي إلى جانب الولايات المتحدة.

وتم التفاوض على TPP من قبل إدارة أوباما، ولكن لم يوافق عليها الكونغرس، رغم أنه تم التوقيع على الاتفاقية في فبراير/شباط 2016، من قِبل 12 دولة من بينها الولايات المتحدة واليابان وكندا وأستراليا وفيتنام.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي/رويترز

وبعد خروج واشنطن، دفعت الأطراف الأخرى الموقّعة على اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، وعددها 11 دولة، إلى الأمام بالميثاق، المعروف الآن باسم الشراكة الشاملة والمتقدمة عبر المحيط الهادي (CPTPP).

وفي حين أنهم سيرحّبون بإعادة انضمام إدارة بايدن القادمة إلى الصفقة، فإن هذا غير مرجح نظراً للشكوك السائدة حول اتفاقيات التجارة الحرة من الجانب الأمريكي.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق كبير في القوة العسكرية، ولا تزال شريكاً اقتصادياً حاسماً للعديد من الدول الآسيوية، فقد تجاهلت الإدارة الحالية الأبعاد الاقتصادية لمنافستها مع الصين.

إذ إن ميل واشنطن للدخول في نزاعات تجارية صغيرة مع الشركاء الإقليميين قد قوّض هدفها الأوسع المتمثل في مواجهة نفوذ الصين في المنطقة، حسب مجلة The Diplomat المتخصصة في الشؤون الآسيوية.

وكتب أنكيت باندا، المحرر السابق في المجلة، على تويتر، أن التوقيع الوشيك لـ RCEP كان “تذكيراً بأن أشياء كبيرة تحدث -وستستمر- في آسيا، مع أو من دون الولايات المتحدة.

في حين أنه من غير المحتمل الشعور بالتأثير الاستراتيجي على الفور، إلا أن التداعيات طويلة المدى لاتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة قد تكون عميقة.

في منتصف القرن العشرين، كان وضع الولايات المتحدة للمعايير الدولية -في كل شيء بدءاً من القواعد التجارية والمعايير الصناعية إلى شكل إشارات المرور- ركيزة أساسية، من أعمدة القوة الأمريكية العالمية.

ولكن وفقاً لإيفان فيجنباوم، من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، فإن الولايات المتحدة الآن خارج الاتفاقيتين “اللتين ستضعان معايير التجارة والاستثمار في آسيا لجيل كامل”.

الصين تستغلّ الانسحاب الترامبي

ومنذ انسحاب الولايات المتحدة من الشراكة عبر المحيط الهادي، ضاعفت الصين من جهودها لإتمام اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP).

وبدأت المفاوضات بشأن RCEP في عام 2013، عندما كانت تجري محادثات الشراكة عبر المحيط الهادي، التي كانت بقيادة الولايات المتحدة آنذاك، بينما كانت الصين غائبة عنها، واهتمت الصين بشكل كبير منذ ذلك الوقت باتفاقية RCEP.

ويرى العديد من المراقبين أن اتقاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة هي وسيلة لبكين لمواجهة النفوذ الأمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهادي.

نُظر لاتفاقية التجارة عبر المحيط الهادي (TPP) كطريقة لكبح طموحات الصين، من خلال تقديم بديل اقتصادي تشاركي للدول الآسيوية، ولكن عندما سحب ترامب مشاركة الولايات المتحدة من الاتفاقية، ذهب باقي الموقعين إلى الأمام، ووقعوا على الصفقة، ولكن من دون انضمام الولايات المتحدة، وفقد TPP الكثير من وزنه، والآن أصبح RCEP بقيادة الصين هو التجمع الاقتصادي الأكبر في العالم.

ولكن بالمقارنة مع الشراكة عبر المحيط الهادي (TPP)، فإن التجمع الجديد (RCEP) يفرض شروط أقل على الموقعين عليها، واختار الموقعون تجاوز معايير البيئة والتكنولوجيا والعمل كجزء من الصفقة، ولديه متطلبات تنظيمية أقل لأعضائه. كما أنه يوفر وصولاً أقل إلى الأسواق لأولئك الذين قاموا بالمشاركة فيه.

على المدى القصير سيكون هناك بعض المشكلات، ولكن سيتم تحقيق المزيد من المكاسب الاقتصادية على المدى الطويل، ما يقلل من معظم التعريفات الجمركية بين الأعضاء، وكذلك العديد من الحواجز التجارية الموجودة حالياً. كما أنه سيقطع شوطاً طويلاً نحو تعزيز سلاسل التوريد الإقليمية بين البلدان المشاركة.

كيف أقنعت الصين خصومها بالانضمام للاتفاقية، وكيف تعاملت مع التمنّع الهندي؟

لم يكن من السهل الوصول إلى هذه النقطة، كانت الكثير من الدول مترددة بشأن تحالف أقوى مع بكين، حتى لو كانت هناك مكاسب اقتصادية يمكن تحقيقها.

في تطور اللحظة الأخيرة، اختارت الهند الانسحاب من الصفقة، خشية أن تغمرها الواردات الصينية، ما قد يضرها على المدى الطويل ويفاقم عجزها مع الصين.

عرضت بكين معالجة هذه المخاوف من خلال أطر زمنية أطول للإلغاء التدريجي للتعريفات، لكن نيودلهي كانت تأمل في انتزاع المزيد من التنازلات قبل انسحابها. تؤكد الدول الأعضاء مثل أستراليا أن الهند مرحّب بها للانضمام مرة أخرى في أي وقت (وهو أمر مفهوم بالتأكيد من وجهة نظرها، فإن إضافة سوق استهلاكي آخر يزيد عن مليار دولار إلى اتفاقية التجارة يمكن أن يكون بمثابة ثُقلٍ مُوازن حاسم للنفوذ الصيني في المستقبل).

ما تأثير هذا التجمع على أمريكا وبقية العالم؟

يرى جراهام أليسون، الأستاذ في جامعة هارفارد، أن جو بايدن سيرغب في أن تنضم الولايات المتحدة مرة أخرى إلى صفقة التجارة الضخمة المعروفة باسم الشراكة عبر المحيط الهادي، لكنه قال إن القيام بذلك سيكون “تحدياً صعباً” لأن “الديمقراطيين -وخاصة القاعدة الديمقراطية- أكثر حمائية من الجمهوريين”.

ولكن تأثير هذا التجمع سيكون كبيراً على التجارة العالمية، وليس على الولايات المتحدة فقط.

فبشكل عام فإنه قد يمثل ضربة مقلقة للتجارة العالمية، حيث يهدد بتفتيت الاقتصاد العالمي الذي تراجع التكامل بين أعضائه أصلاً.

والآن سيتعيّن على آسيا والشركات الأجنبية في آسيا الآن التعامل مع اتفاقيتين تجاريتين متعددتي الأطراف، تتباهى بمعايير مختلفة، وتضم أعضاء مختلفين.

والخاسر الأكبر على الإطلاق هو الولايات المتحدة، التي تسمح الآن للصين وغيرها بتحديد قواعد جديدة للتجارة بينما تجلس على الهامش.