//Put this in the section

بعد نفاد الاحتياط.. هل جاء دور الذهب؟

سابين عويس – النهار

يدور بحث جدي في الأروقة الضيقة للقرار المالي والاقتصادي حول اللجوء الى استعمال مخزون لبنان من الذهب، كأحد الخيارات العملية والقابلة للاستعمال لتغطية الحاجات التمويلية للدولة مع قرب نفاد احتياطات المصرف المركزي من العملات الاجنبية. وقد برزت جدية الطرح مع ورود معطيات مؤكدة من مستودعات المصرف المركزي حيث يخزن نحو ٤٠ في المئة من الذهب، وقد اجريت جردة على الموجودات، بهدف تبين الحجم وما هو قابل منه للاستعمال.
لم يعد الامر سراً ان اللجوء الى الذهب بات خياراً جدياً وواقعاً في ظل تراجع كل موارد التمويل المتاحة. فالاقتصاد المشلول وغير المنتج حال دون تحصيل الدولة لإيراداتها. وانهيار القطاع المصرفي أدى الى تعطل الخيارات السهلة التي ساهمت في وصول البلاد الى ما هي فيه اليوم من افلاس وانهيار، اذ لم تعد المصارف قادرة على تمويل الدولة وعجوزاتها. كما ان استمرار تعطيل قيام حكومة جديدة وفاعلة سيجعل الاعتماد على الدعم الدولي شبه مستحيل.
وصلت احتياطات المركزي الى المستوى الحرج. اذ لم يعد لدى مصرف لبنان اكثر من مليار دولار ( وتحديداً نحو ٩٠٠ مليوناً) من خارج الاحتياطي الإلزامي البالغ ١٧ ملياراً لتوظيفه في سياسة الدعم. وهذا يعني ان سياسة الدعم للمواد والسلع المدرجة في السلة لن يستمر لأكثر من شهرين على ابعد تقدير، على قاعدة ان الدعم الشهري يحتاج الى نحو ٥٠٠ مليون دولار.
هذا الواقع سيضع الحكومة في الدرجة الاولى، والمصرف المركزي في الدرجة الثانية في موضع اتخاذ القرار في خيار من اثنين: اما وقف الدعم، مع ما سيرتبه من تفلت الدولار في السوق السوداء وانهيار الليرة، بالتوازي مع ارتفاع غير مسبوق للاسعار. وإما الاستمرار بالدعم مع البحث عن مصادر جديدة لتمويله.
خيار وقف الدعم او الاستمرار فيه هو قرار على الحكومة اتخاذه وعلى المركزي تنفيذه. ولكن في ظل غياب حكومة فاعلة ووجود حكومة تصريف اعمال، سيكون هذا القرار موضع تجاذب وتقاذف للمسؤولية بين الحكومة وحاكم المصرف المركزي الذي يفضّل ان تتحمل الحكومة تبعاته، تماماً كما خيار اللجوء الى الذهب، علماً ان هكذا خيار يتطلب اكثر من الغطاء الحكومي، ويتجاوزه الى المجلس النيابي في ظل الحاجة الى تعديل القانون الصادر عام ١٩٨٦ الذي يحظر بيع الموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان او التصرف بها الا بنص تشريعي يصدر عن البرلمان وجاء في التص:” بصورة استثنائية وخلافاً لأي نص آخر، يمنع منعاً مطلقاً التصرف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان او لحسابه مهما كانت طبيعة هذا التصرف وماهيته، سواء كان ذلك بصورة مباشرة او غير مباشرة الا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب”.
امام الدولة بمؤسساتها شهران للبحث في الخيار الذي ستلجأ اليه قبل نفاد الاحتياطات.
اهون الخيارات وأقلها كلفة ان يتم تأليف حكومة قادرة على استعادة بعضاً من الثقة المفقودة، تضع في صلب أولوياتها إيجاد التمويل المطلوب لإطلاق الاقتصاد. فالحكومة الكاملة الصلاحيات قادرة على تزخيم الدعم الدولي من اجل تأمين تدفقات مالية خارجية. وفي هذا السياق، علم ان وزير المال في حكومة تصريف الاعمال غازي وزني، الساعي الى إيجاد البدائل التمويلية الكفيلة بمعالجة هذه الفجوة، اقترح امام احد زواره من الدبلوماسيين الغربيين امكان فتح خط ائتماني مع دول الاتحاد الاوروبي التي تشكل ما نسبته ٤٠ في المئة من فاتورة الاستيراد المحلي، الامر الذي يسهم في حلحلة ولو جزئية لهذه المشكلة.
اما في حال لم تشكل الحكومة، وهو ما تشي به كل حركة المشاورات الحكومية الراهنة في ظل استمرار العقد على حالها، سيكون امام الحاكم استنباط حل يلجأ فيه الى المس بالاحتياطي الإلزامي عبر خفض نسبته من ١٥ في المئة الى النسبة التي يرتأونها مناسبة، وتوفر له تحرير جزء من هذا الاحتياطي. وخيار مشابه لا يحتاج الى اكثر من تعميم يصدر عن المجلس المركزي. علما ان خطورة هكذا خيار تكمن في ان المركزي بدأ المس بالقلة القليلة الباقية من ودائع الناس لديه، والتي يمكن استنزافها تدريجياً على سلة دعم مثقوبة، بحيث يطير الاحتياطي الإلزامي وتعود الازمة الى مربعها الاول. وجل ما ينتج عن هكذا خيار هو الاستمرار بسياسة شراء الوقت التي انتهجها المركزي منذ العام ٢٠١٦، تاريخ بدء هندساته المالية.
آخر الخيارات المتاحة، فيما لم يتخذ قرار وقف الدعم هو اللجوء الى الذهب عبر اقتراح تأجير جزء منه، وهو الخيار الأكثر تردداً في الأروقة الضيقة، وهو بات موضع استفسار من بعض الدبلوماسيين الغربيين الذين بلغهم بالتواتر ان الطرح جدي ويجري درسه!