//Put this in the section

آثار التغيير في حزب العدالة والتنمية – توران قشلاقجي – القدس العربي

تعطي السياسة التركية إشارات تغيير جديدة بدأت بإعلان وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، الأسبوع الماضي، استقالته من المنصب عبر حسابه بموقع أنستغرام، وهو ما تصدّر المشهد في الساحة التركية. كان هناك الكثير من التكهنات حول هذا الموضوع، تحدّث أهمها عن انزعاج الوزير البيرق من قرار الرئيس أردوغان تعيين النائب السابق في حزب العدالة والتنمية، المفتش المالي ناجي آغْبال محافظًا للبنك المركزي. لكن هذه الاستقالة كانت متوقعة بالفعل، حسب كواليس أنقرة، وأدّى إعلان الوزير البيرق – صهر الرئيس أردوغان- قرار استقالته عبر موقع التواصل الاجتماعي، إلى تسريع العملية.
كان التغيير متوقعًا بالفعل في حزب العدالة والتنمية منذ فترة طويلة، وقد انتشرت شائعات في كواليس أنقرة منذ شهور، عن تغيير كبير مرتقب، خاصة في الأقسام المعنية بالشؤون الاقتصادية والمالية. وجاء التغيير المتوقع بعد بضعة أشهر ليحرّك الساحة السياسية التركية، إثر قرار استقالة الوزير البيرق تزامنًا مع تعيين شخصية لا يريدها في منصب محافظ البنك المركزي. تباينت التفسيرات حول موافقة الرئيس أردوغان على الاستقالة بعد مرور 24 ساعة، إلا أن هدف الأخيرة من ذلك كان لواقع قياس رد فعل السوق العالمية في هذا الصدد. وصدرت موافقة الرئيس التركي في ضوء الانعكاس الإيجابي للقرار على الأسواق.
نعلم جميعًا أن مفهوم السياسة والاقتصاد يتغير بسرعة في النظام الدولي السائد في القرن الحادي والعشرين، فالتمييز بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية أصبح غير ذي أهمية يومًا بعد يوم، وكل تعديل في السياسة الداخلية تظهر انعكاساته على السياسة الخارجية. أمّا خيارات السياسة الخارجية، فإنها تؤدي دورًا أكبر في تشكيل السياسة الداخلية. أعتقد أنه من الضروري التعود على العيش في عالم تتعولَم فيه السياسة، كما هو الحال في كل مجال، لأنه ليس من الممكن ألا تتأثر السياسة الخارجية في مثل هذا النظام العالمي. كما يتعين على الدول أن تضمن تأقلم سياساتها الخارجية مع النظام العالمي وتوازن القوى الجديد. لم يكن هناك مفر بالنسبة إلى تركيا من تغيير، بل تطوير رؤية جديدة وضمان التمايز في استراتيجياتها المتعلقة بسياستها الخارجية، لأنها كانت في الفترات الأولى من العهد الجمهوري تنتهج سياسة خارجية تعتمد أكثر على الوضع الراهن، لكنها كلما أزالت هواجسها حيال المستقبل، وعزّزت قوتها أكثر، تتضح خطواتها وجهودها أكثر بشأن تغيير وتطوير سياستها الخارجية، وانتهاج موقف دولة ترغب في إحداث تأثير في الصعيدين الإقليمي والعالمي، خاصة خلال السنوات الـ30 الأخيرة.
لقد اكتسب النظام الدولي القائم في الوقت الراهن طابعًا عالميًا مختلفًا تمامًا عن الفترات السابقة، وهو يشهد علاقات مكثفة في جميع المجالات، وهناك تغيّر مستمر في طابع المنافسة بين الفاعلين العالميين. وبالمثل، اكتسب التغيير والتحول في يومنا هذا زخمًا استثنائيًا، وأصبح تحول المشاكل المحلية والوطنية إلى مشاكل إقليمية وعالمية، أمرًا لا مفر منه، لذلك، فإن أي تغيير في قوة عالمية أو إقليمية في أي مكان حول العالم يؤجج التغيير في جميع البلدان الإقليمية والعالمية الأخرى.

سيقود الرئيس أردوغان، ترميمًا سياسيًا جديدًا في تركيا تجاه إدارة بايدن الذي أعطى إشارات للتطبيع عقب انتخابه




تحرص إدارة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا على إجراء التغييرات السياسة بطرق سريعة، ووفقًا للسياسة العالمية التي تتغير بشكل متكرر وسريع، ولا شك بأن الديمقراطية تمنحها المرونة للقيام بذلك. إن بوادر عودة الولايات المتحدة إلى سياستها التقليدية، عقب فوز بايدن في الانتخابات الرئاسية، ستدفع دولًا كثيرة إلى مراجعة سياساتها من جديد. وبالطبع، لن تكون مهمة بايدن سهلة لأنه سيواجه تحديات كبيرة مثل وباء كورونا والبنية التحتية الصحية، والمشاكل الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية والحركات العنصرية.
خلاصة الكلام، نجحت تركيا في إحباط الانقلابات العسكرية والاقتصادية في الداخل، وتسببت بهزيمة كبير لحكومة ماكرون في فرنسا التي تقود الجبهة المعادية للتحركات التركية في الخارج، سواء في البحر الأبيض المتوسط، أو ليبيا، أو قره باغ، أو في ما يتعلق بالإسلاموفوبيا. سيقود الرئيس أردوغان، ترميمًا سياسيًا جديدًا في تركيا تجاه إدارة بايدن الذي أعطى إشارات للتطبيع عقب الانتخابات الأمريكية، والاتحاد الأوروبي الذي يرغب في تطوير العلاقات مع تركيا من جديد. وسيشهد الشارع السياسي التركي، من خلال تعديل حكومي بسيط قريبًا، تولي العديد من الشخصيات السياسية القديمة في حزب العدالة والتنمية، مناصب مهمة مجددًا. بالإضافة إلى ذلك، سيواصل الغرب طريقه من جديد من الحزب الحاكم، بعد أن شاهد سقوط المعارضة التركية المنقسمة والمشتتة في أزمات كبيرة.