//Put this in the section

نصرالله بلا غطاء مسيحي وسلاح الحزب مكشوف دولياً

أحمد عياش – النهار

منذ صدور قرار عقوبات وزارة الخزانة الأميركية بحق رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل يوم الجمعة الماضي، والتداعيات لهذا القرا مستمرة نظراً لصلة ما صدر عن باسيل من مواقف، والرد الحازم عليها من سفيرة الولايات المتحدة الأميركية دوروثي شيا وصولاً الى الانعكاسات السلبية لهذه العقوبات على مسار تشكيل الحكومة الجديدة.
لكن ما لم يأخذ طريقه الى واجهة الأحداث بعد، هو ما تركته هذه العقوبات من تأثير على “حزب الله” الذي كان السبب الرئيسي لما حل برئيس “التيار”. وعلى الرغم من ان جدول اعمال وزارة الخزانة الاميركية التي أنزلت العقوبات بحق باسيل انطلق من ملف الفساد وحده بموجب قانون ماغنيتسكي، فإن ردود الفعل بدءا من باسيل مروراً بالسفيرة الاميركية وصولاً الى وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو تمحورت حول الحزب وصلته بهذه العاصفة التي هبت على لبنان ونقلته الى مستوى غير مسبوق من التوتر لم يعرفها سابقاً مع عشرات القرارات التي صدرت عن الخزانة الأميركية.
في حلقة مناقشة جرت بعد أيام من صدور دفعة العقوبات الاخيرة وضمت عدداً من السياسيين والخبراء وإعلاميين من بينهم “النهار”، ان أخطر ما تضمنه القرار الاميركي هو إنهاء مفعول “تفاهم مار مخايل” الشهير الذي أبرمه زعيم “التيار” العماد ميشال عون مع زعيم الحزب السيد حسن #نصرالله في شباط عام 2006، مما أدى الى فوز الفريق الاول، أي عون، ببطاقة وصول الى رئاسة الجمهورية، وفوز الفريق الثاني، أي “حزب الله”، ببطاقة التغطية المسيحية لسلاحه من الجهة الاكثر نفوذاً على المستوى المسيحي الداخلي. وقد تحققت فعلاً على مدى 14 عاماً أهداف الفريقين، لكنهما وصلا سنة 2020 الى نهاية الطريق التي تعني انقلاب بطاقتيّ “التفاهم” من فوز الى خسارة.
تقول شخصية سياسية بارزة ما زالت على مسرح الاحداث في سياق حلقة المناقشة، إن ما حصل مع صدور قرار العقوبات الأميركية برئيس “التيار الوطني الحر” انه لم يعد هناك طرف مسيحي وازن في لبنان يجرؤ بعد الآن على الدخول في أي نوع من العلاقات مع “حزب الله” خشية النتائج السلبية التي سترتد عليه من الولايات المتحدة وتالياً من العالم الغربي الذي لا يبتعد حالياً عن واشنطن في مجال مكافحة الارهاب والفساد.
وفي سياق متصل، جرى في حلقة المناقشة نفسها التداول بفكرة الذهاب الان الى المجتمع الدولي من أجل بت البنود العالقة في القرارات الدولية وكذلك في وثيقة الوفاق الوطني التي صدرت عن اتفاق الطائف عام 1989 والتي انبثق منها الدستور المعدّل. كما جرى التوقف عند جريمة اغتيال الوزير السابق محمد شطح الذي عمل حتى استشهاده في 27 كانون الاول 2013 في مقاربة مسألة سلاح “حزب الله” من زاوية تطبيق القرارات ووثيقة الوفاق الوطني والدستور. لكن اغتيال شطح لم ينه المشكلة التي ما زالت مستمرة حتى اليوم متسببة بأفدح الاخطار على لبنان على كل المستويات. ولذلك رأى المشاركون في حلقة المناقشة الذهاب الى مجلس الامن الدولي بمطلب تحمله المجموعة العربية لكي يصدر قراراً بسحب سلاح إيران من لبنان، أي سلاح الحزب الذي يجاهر الأخير بمصدره الايراني، بعدما أثبت هذا السلاح انه وراء خلق مناخ حروب في المنطقة وزعزعة السلم الاقليمي والدولي.
هل ستحظى هذه المعطيات الواردة أعلاه باهتمام؟ وهل لها أية فرصة للنجاح؟
ربما يبدو الآن، ان هذه الافكار تواجه واقعاً صعباً نتيجة نفوذ “حزب الله” المستمر في لبنان، ليس انطلاقاً فقط من قدرته الذاتية فحسب، وإنما بسبب غياب نفوذ الجهة الداخلية التي عليها القيام بمواجهة السلاح الايراني وفي مقدم من ينضوي داخل هذه الجهة، السلطات الرسمية على مستوى الرئاسات الثلاث. لكن هذا الواقع الصعب، لا يبدو انه قدر محتوم، بدليل ان قرار العقوبات بحق باسيل أبصر النور بعد فترة طويلة من التكهنات والتي جعلت رئيس “التيار” يظن انه سيبقى بمنأى عن العقوبات لاعتبارات عدة أهمها كما تقول اوساط سياسية مسيحية بارزة لـ”النهار” هو “ان الادارة الاميركية كانت تتجنب أي خطوة من شأنها اضطراب النفوذ المسيحي في لبنان”.
ما هو مؤكد أن آليات عمل وزارة الخزانة الاميركية بشأن ملف الفساد في لبنان لن تتوقف لحظة وخصوصاً في المرحلة الانتقالية على مستوى الادارة الاميركية لغاية 20 كانون الثاني المقبل. ولعل من اهم ما ورد في قرار العقوبات بحق باسيل ما جاء في المؤتمر الصحافي الاخير لوزير الخارجية الأميركي من أن بلاده “ستقف الى جانب الشعب اللبناني في مساعيه للقضاء على الفساد”، الامر الذي اعتبره المراقبون ارتباطاً بمطالب إنتفاضة 17 تشرين الاول عام 2019 والتي يتعامل معها المسؤولون اللبنانيون الآن وعلى كل المستويات وكأنها لم تعد موجودة.
من يعود الى المؤتمر الصحافي الغاضب الذي عقده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في آخر إطلالة له على الملف اللبناني يجد ان هناك لغة مشتركة بينه وبين الاميركيين في ما يتعلق بفساد المسؤولين في لبنان. ففي هذا المؤتمر يوم الأحد 27 أيلول 2020 في باريس، قال ماكرون:”ان القوى السياسية اللبنانية وقادتها، وقادة المؤسسات اللبنانية لم يرغبون، وأقولها بكل وضوح، احترام التعهد الذي اتخذوه أمام فرنسا والمجتمع الدولي… قررت هذه القوى أن تخون هذا التعهد والالتزام به، واختارت ترك لبنان بين لعبة القوى الخارجية، ومنعه من الاستفادة من المساعدات الدولية التي يحتاجها الشعب اللبناني”.
انه يوم حزين ليس لرئيس “التيار” جبران باسيل عندما نزل عليه قرار العقوبات الاميركي، وانما أيضا لـ”حزب الله” الذي بات مكشوفاً بعد سقوط الطرف الآخر في “تفاهم” منحه غطاء على مدى 14 عاماً على قاعدة “لكم فسادكم ولي سلاحي”.