//Put this in the section
رامي الريس

التجربة السلبية لرئاسة ميشال عون – رامي الريس – الشرق الأوسط

بعد مرور عام على ثورة السابع 10 من أكتوبر (تشرين الأول) التي اجتاحت شوارع العاصمة اللبنانيّة بيروت وسائر المناطق الأخرى، هل يمكن الوصول إلى استنتاج بأن لبنان بلد عصي على الإصلاح؟ وهل يمكن القول إن الدولة المرتجاة منذ عقود لن تولد، بل ستبقى رهينة النزاعات الإقليميّة التي تعكس نفسها على الساحة المحليّة؟

لقد سبق اندلاع هذه الثورة مجموعة من التحركات الشعبيّة العفويّة خلال السنوات المنصرمة، لعل أبرزها كان في عام 2015 عندما خرجت المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام الطائفي والمذهبي الذي تُبنى على أساسه كل التوازنات الميثاقيّة والدستوريّة والسياسيّة، وهو النظام الذي كان من المفترض أن يكون مؤقتاً، إلا أنه في لبنان «كل مؤقت دائم»؛ ليس فقط لغياب الإرادة السياسيّة بالمبادرة إلى التغيير، إنما أيضا لرفض التخلي عن مواقع النفوذ التي يكرّسها هذا النظام، ويولد جزراً سياسية ومحميّات طائفيّة سرعان ما تنمو وتكبر وتحصل على الدعم الخارجي وتصبح أقوى من الدولة المركزيّة.




إن دوران فائض القوّة على الأطراف السياسيّة اللبنانيّة حوّل الساحة المحليّة إلى حقل تجارب للدول الكبرى والإقليميّة الفاعلة والمؤثرة فيها. كما أن الخلافات العميقة بين اللبنانيين أنفسهم حول هويّة الدولة ودورها وموقعها في المنطقة وسياستها الخارجيّة والدفاعيّة أضاف إلى قوّة اللاعبين المحليين على حساب الدولة.

لعنة ضعف الدولة التي رافقت الكيان الفتي منذ نشأته بتوقيع فرنسي في الأول من سبتمبر (أيلول) 1920 (إعلان الجنرال الفرنسي غورو ولادة دولة لبنان الكبير)، لا تزال تتفاقم. ثمة قوى بالكاد تعترف بوجود الدولة، وتكاد لا تستعين بها إلا عند الضرورة القصوى، عندما يستعصي عليها معالجة أمور ناسها بقوتها الذاتيّة، تحوّل الأمر إلى الدولة.

ولكن، لماذا تتعطل كل آليات المحاسبة والمساءلة من ضمن أطر المؤسسات الرسميّة التي أنشئت لتقوم بدورها؟ ولماذا لا تطبق القوانين الكثيرة التي صدرت لمكافحة الفساد؟ من الواضح أن بعض الأطراف اللبنانيّة صارت تتفنن باستيلاد التشريعات في حركات فولكلوريّة فارغة الهدف الوحيد منها إبعاد الشبهات عنها، وإيهام الرأي العام أنها تقود معركة الإصلاح، بينما هي منغمسة في كل أشكال الهدر والفساد في مختلف القطاعات.

مسيرة الإصلاح لا يمكن لها أن تنطلق من دون قضاء مستقل. إنه الممر الإلزامي والحتمي والوحيد الذي يمكن من خلاله وضع المدماك الأول والأساسي للتغيير المنتظر. ولكن كيف يمكن الحديث عن تغيير عندما يماطل، لا بل بالأحرى يمتنع، رئيس الجمهوريّة الذي أقسم على احترام الدستور والسهر على تطبيقه، عن توقيع مراسيم التشكيلات القضائيّة لمجرّد عدم موافقته على إزاحة قاضية «تخصه» من منصبها! إنها الزبائنيّة السياسيّة التي يدّعي رئيس الدولة محاربتها والعمل على استئصالها!

كيف يمكن توقع إحداث تغيير جدّي في الممارسة السياسيّة الراهنة عندما يشارك رئيس الجمهوريّة الأطراف الأخرى في تفريغ المبادرة الرئاسيّة الفرنسيّة من مضمونها، من خلال دخوله شريكا في لعبة المحاصصة الوزاريّة مستمكلاً مساره السابق الذي ورثه تياره السياسي عبر الاستشراس في سبيل الاستئثار بالحقائب الوزاريّة، بدل أن يكون الناظم الأساسي للحركة السياسيّة التي تؤدي إلى ولادة حكوميّة سريعة تعيد إنتاج الثقة في الداخل والخارج، توقف الانهيارات المتتالية في الاقتصاد والمجتمع، وتضع الحلول المطلوبة على السكة.

لو أن رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة ترّفع من اليوم الأول لانتقاله إلى القصر الرئاسي عن المطالب والحصص، وارتقى في أدائه وسلوكياته وممارساته إلى الموقع الذي يمنحه إياه الدستور والعرف اللبناني، بأن يكون على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، وأن يلعب دور الحكم بينهم يفصل في خلافاتهم، يقرّب وجهات النظر فيما بينهم، ويجترح الحلول من الآفاق المقفلة بدل أن يساهم في إقفال المنافذ المفتوحة.

لو أن رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة تمنّع عن إغراق نفسه، ومعه الرئاسة بما كانت تمثله من هيبة ووزن وثقل سياسي، في لعبة المحاصصة، فجّر معه إلى هذا الأداء كل مكونات الطبقة السياسيّة ودفعها لسلوك مسارات مختلفة تراعي المصلحة الوطنية العليا، نابذاً كل من يقف في طريقها ومعريّاً كل من يعترضها أمام الرأي العام والتاريخ. ولكن هل للرئيس أن يطلب من الآخرين التعفف بينما هو منغمس في اللهاث خلف الحصص والمغانم؟

لو أن رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة لم يكن «قويّا» كما يفاخرون، لربما كان استطاع أن ينسج خيوط التفاهم بين مختلف شرائح المجتمع السياسي اللبناني، وتمكن من الحفاظ على التوازنات الداخليّة الدقيقة التي في كل مرة تختل مرتكزاتها، تدخل البلاد في موجات من العنف أو التعطيل والشلل، بالحد الأدنى.

لو أن رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة طبّق 10 في المائة من الشعارات والعناوين الشعبويّة التي رفعها طوال الحقبة السابقة لانتخابه لكرسي الرئاسة الوثير، لكان دخل التاريخ من الباب العريض. أما الحقيقة المرّة، فهي أنه سيدخل التاريخ من الباب الخلفي، وهو الباب المخصص لذوي التجارب المأساوية بحق شعوبهم. يكفي انفجار مرفأ بيروت. كان الرجل يعلم أن ثمة مواد خطرة ومتفجرة مخزنة في أحد عنابره، لكنه لم يقم بما كان يجب أن يقوم به. ثمة أمور «أكثر أهميّة»، وفي طليعتها، توفير مستلزمات الوراثة السياسيّة التي لطالما ادعى محاربتها! إنه «الإقطاع الجديد».