//Put this in the section

الشماتة في هزيمة ترامب – محمد كريشان – القدس العربي

لم يسبق أن حبس الأمريكيون أنفاسهم لمعرفة نتائج الانتخابات الرئاسية كما فعلوا هذه المرة، ولم يسبق كذلك أن حدث نفس الشيء لباقي العالم. السبب واحد هو شخصية ترامب نفسه وليس شيئا آخر، بكل ما تمثله من قيم ومواقف وتصرفات في الداخل الأمريكي والخارج بحيث لم ينظر الناس في الغالب، هنا وهناك، إلى هذه الانتخابات سوى على أنها حماسة لاستمرار نهج ترامب أو رفض له. لم يبق ترامب أحدا على الحياد لا في بلده ولا في غيرها، فالناس جميعا «فسطاطان»: واحد معه بلا تحفظ وآخر ضده بلا حدود.
ولهذا السبب تحديدا، لم يسبق أن أصيب مناصرو رئيس خاسر بمثل ما أصيب به مناصرو ترامب من مرارة وغيظ، كما لم يسبق أن شعر معارضو رئيس مغادر بمثل ما شعر به معارضو ترامب من لذة سقوط بهذا الفيض من الانشراح والشماتة. ومع أن كلا من الغيظ أو الشماتة ليسا بالمفردات الملائمة في عالم السياسة، إلا أنها مع ترامب وانتخابات الرئاسة أصبحت حبلى بفيض من الدلالات السياسية العميقة.
وحيث أن ذلك كذلك، كما يقال في حيثيات بعض النصوص القانونية، فإنه لم يسبق أن عرف مرشح رئاسي أمريكي منهزم ما عرفه ترامب من سيل جارف من النكت اللاذعة والفيديوهات الساخرة التي تصوره في وضعيات مختلفة يبدو في جميعها في صورة الطفل المدلل أو المتهور المجنون أو البلطجي الأرعن الذي لا يقبل الخسارة.
أمريكيا، كان سقوط ترامب، الذي ما زال يعاند في الاعتراف بهزيمته، انتصارا لكل القيم التي عمل ضدها الرئيس الأمريكي فقد كانت انتصارا على توجهات الكراهية والتمييز ضد الأقليات والنساء والمهاجرين والمسلمين والعنصرية ضد السود والايمان بتفوق العرق الأبيض ووحشية رأس المال المتعجرف الذي لا يقيم وزنا لا للفقراء ولا للطبقة المتوسطة. لكن كل ذلك يجب ألا يخفي النسبة الكبيرة التي صوتت لترامب والتي تجاوزت السبعين مليونا، بفارق يقل عن أربعة ملايين عن بايدن، مما يدل على أن مناصري تلك التوجهات ليسوا أقلية في البلاد، وأن هؤلاء إنما وجدوا في ترامب زعيما قويا ونموذجا يحتذى.
المشكل الآن أن ترامب ومن صوتوا له لا يبدون أي نوع من الاستعداد للقبول بالنتيجة، ويدّعون التزوير دون تقديم أدلة دامغة، والأنكى أن يسايرهم في ذلك الحزب الجمهوري ومعظم قياداته في حالة انقياد غريبة لجنوح ترامب نحو الانكار والتمرد.

كان سقوط ترامب، الذي ما زال يعاند في الاعتراف بهزيمته، انتصارا لكل القيم التي عمل ضدها الرئيس الأمريكي فقد كانت انتصارا على توجهات الكراهية والتمييز ضد الأقليات والنساء والمهاجرين والمسلمين والعنصرية




وإذا كانت ديمقراطية الولايات المتحدة ومؤسساتها وإعلامها هي القادرة في النهاية على تصحيح كل ما تركه رئيسها المغادر من فوضى، والتوجه نحو لملمة ما خلفه داخل المجتمع من انقسام ونوازع عنف وخوف من الاقتتال وحتى الحرب الأهلية، فإن على بقية العالم الذي تضرر معظمه بشكل أو بآخر، من سنوات ترامب الأربع العجاف، التوجه إلى مراجعة علاقته مع واشنطن وفق قواعد جديدة مختلفة، أو على الأقل إعادتها إلى ما كانت عليه من قبل، حتى وإن تضمنت الكثير من الهنات.
في بلادنا العربية، كانت الشماتة في سقوط ترامب هي الطاغية، عدا أولئك الذين ربطوا مصيرهم بمصيره. هذه الشماتة لا تعني استبشارا بقدوم بايدن ولا تهليلا لما يمكن أن يأتي به، فقد علمتنا التجارب الكثيرة مع الرؤساء الأمريكيين ألا نأسى على ما فات وألا نفرح بما أتى. كانت شماتة الحكومات مكتومة فيما كانت شماتة الرأي العام واضحة جلية.
من حزن على سقوط ترامب من الحكومات العربية لم يتجرأ على الإعلان عن ذلك، فانطلق مريدوها و«ذبابها الالكتروني» في انتقاد بايدن في مسعى لتنغيص فرحة هزيمة صاحبهم مع أن الفرح بذهاب ترامب لا يعني أبدا الاستبشار ببايدن فالفرق واضح بين الأمرين. أما من شمت في ترامب وتنفس الصعداء لذهابه فلم تصل به هذه الشماتة ولا هذه الفرحة بزوال كابوس إعادة التجديد له إلى حد التغني بقدوم بايدن والرقص لفوزه، فالفرق هنا أيضا واضح بين الأمرين.
ذهاب ترامب وما تركه وراءه من ندوب، وقدوم بايدن وما قد يحمله من آمال، يفترض ألا تحجب الرؤية عن كثيرين فيعتقدون أن الفرج آت لا محالة بذهاب هذا وقدوم ذاك، أبدا فالدول إنما تنتزع مكانتها الإقليمية أو الدولية بجهدها الخاص وتحصين جبهتها الداخلية قبل أي سند أو إسناد خارجي.
عربيا، لم يعد مطلوبا من أي رئيس أمريكي أن يكون أكثر حرصا على الحقوق العربية من أصحاب الشأن أنفسهم، ولا مدافعا عن مصالحهم أكثر منهم، ولعل المأمول حاليا يقتصر على أن يعيد بايدن الانحيازات الأمريكية إلى سابق عهدها ليس أكثر، بعيدا عن أية أوهام أخرى، بعد أن تحوّلت هذه الانحيازيات مع ترامب إلى مستوى غير مسبوق من السفاهة والاستفزاز خاصة على الصعيد الفلسطيني.
الشماتة في سقوط ترامب تحول إلى موقف سياسي وجب التوقف عنده لأنه مشروع وله أسبابه الوجيهة، لكنه لا يغني شيئا إذا لم تعقبه بسرعة مراجعات أساسية ومؤلمة.