//Put this in the section

دَمَّرْتُم المرفأ… فلا تُغْرِقوا السفينة – رشيد درباس – النهار

“إِنَّهم لم يَنْسَوْا شيئاً
إنْهم لم يَتَعَلَّموا شيئاً”
(تاليران)
تفيدنا التجارب أن مشاكل كثيرة عويصة، تكفيها حلول مبسَّطة، وأن الوصفات المعقدة قد تجعل السهل مستعصيًا على الحل. هذا ينطبق جدًّا على الوضع اللبناني. فالدولة التي أنشئت برغبةٍ مسيحيةٍ وبرعاية انتدابية، ورتع فيها المسلمون والمسيحيون معاً، وسعد بها العرب، ووضعها الغرب في كنف العناية، قامت على معادلة طبيعية وبسيطة جدًّا، هي التناسخ الدوري الأزلي بين الثلج والموج، بِفِعْلَينِ من ذَوْبٍ وتبخّر؛ معادلةٌ علَّمت الأوائل أن الاعتصام بالجبال لا يديم على جبّتها دفئها إلا أذا أهدت شمسُها البحرَ حرارةً تطهِّره من ملحه، وتحوّله سحابًا، فمطرًا، فأنهارًا تجري من فوقها الحياة؛ كما علَّمت الساحليين أن كل نفحة من أريج بساتينهم، لم تَسْرَبْ إلى البراعم إلّا عبر شرايين الأرض الواصلة بين جيرة الماء وجيرة السماء.
أما اليوم، وبعد مائة عام، فلا شك أننا صرنا في وضع رهيب ينذر بهول أشدّ. لقد نخر السوسُ بنية الدولة، واستشرى الزُّعافُ وهَيْمَن الفَحِيحُ وهزُلت العملة الوطنية حتى التلاشي، وأصبحت مصارف الماء عندنا أعلى قيمة من مصارف المال، وتفشّت إسرائيل في الجغرافيا العربية، فكدنا أن نَعْرى من دعم شقيق أو صديق. وبعدما كنا بتكويننا وتسامحنا وتعايشنا نقيضَها، صرنا نستجدي منها بوساطة الأميركان حقّنا في مساحة مالحة، علَّنا نجدُ في أغوارها غازاً نضيء به حلكَتَنا الراهنة.
لقد تهاتَرْنا كثيرًا، وتهافت فلاسفتنا وساستنا، فأبَيْنا أن نرى بالبصيرة، وأن نعتبر من التجارب، وقررنا في كل مرة أن ننتظر نتيجة انتخاب من هناك، ومضمون تصريح يدلي به مسؤول أجنبي متوسِّطُ الشأن من هنالك، إلى أن انتقل خليج “هرمز” بقلقه وفورانه من مقامه بين عُمان وبحر العرب إلى مزارع شبعا، وخرائط الترسيم البحري؛ فكيف ضاق المضيق ذرعاً بحسن الجوار وتكاملِ التاريخ، فكرهت الضّفَّة شقيقتَها، وساد الحقد حتى اطمأنّ “داود” فقفز بنجمته الزرقاء المسدَّسة المدببة رافعًا رايته مرفرفة مطمئنة؟
يُسَمِّي الاستاذ سركيس نعوم اللبنانيين “شعوبًا” رغم أن الرقعة التي يعيشون عليها، تآلفت جغرافيًّا في خدمة تكاملهم وتعارفهم، وبقيت أضيق من أن تكون ملعبًا لمباريات “التحطيب”، فالعصيُّ المحتربة ليست سوى هدايا سامة يمنحها لنا “المُشغِّلون” الخارجيون، كي تسعى كالأفاعي، فتفتك بالحواة والمخدوعين من أنصارهم، بالسُّمِّ البطيء الذي تبخُّه في تضاريس الأرض، فتفصل الصخر عن الجبل، والنهر عن البحر، والعطر عن الورد، والهديل عن اليمام، والمعنى عن النص، والأرز عن العلم.
إذا لم تقتنع “الشعوب” حتى الآن، أن لبنان وطن نهائي لأبنائه جميعًا كما ينصُّ الدستور، فهم في الحدِّ الأدنى مرغمون على التصديق أنهم ركّاب سفينة واحدة، إذا صدئ حديدها، صدئت إقامتهم، أو تسرَّب الماء إلى قعرها، تسرُّب الرعب إلى قلوبهم، أو تعطل محركها، تاهوا في خضم بحر لُجِّي، أو عَمِيَ “الرادار”، عَمُوا، أو صَمَتَ المذياع صُمُّوا، من غير أن يكون لركاب الدور العلوي امتياز على أهل الدور السفلي، أو أن تكون لغرفة القيادة إمرةٌ على البحارة، فكلهم سواء في ما كتبته الريح وأملته العاصفة على الأمواج، وكلُّهم في النهاية فرائسُ لأشداق الصخور المتربصة الكامنة فوق السطح وتحته.
ربما اعتقدت فئة من الركاب أنها في مأمن من كل هذه الأخطار، بمظِنة أن القوارب ستهرع لإنقاذها دون سواها، وربما توهّمت فئات أخرى، أن قاطرة عملاقة ستتدارك السفينة قبل غرقها، وتعيدها إلى بَرِّها، بعد أن تلقي بالخصوم إلى غياهب المصير الذي يستحقونه بصفتهم حمولة زائدة، لكن حُسْنَ الظن الطويل بالحلفاء الافتراضيين، أصبح موازيًا للبلاهة، لأنه لم يهدِّئْ نَوْءًا، ولم يَرْفَأْ شراعًا ممزقًا ولا صوَّبَ إبحارًا تائهًا.
ليس لبنان دُرَّةً لتاج الطاووس الذي تناثر ريشه في النسيان، ولا “سقيفة بني ساعدة” التي يُبحَثُ تحتها عن خليفة، ولا من أعمال “الآستانة” في عهد الخليفة الجديد، ولا أبرشية تنأى بنفسها عن ضجيج الجوار وتكاثره، بل هو كالفُلْكِ الذي بناه  من صخر وأرز ولغة وتاريخ بَطْرَكٌ من سِبْطِ نوح، وأرساه على ميناء بيروت، وشحَنَهُ بالذرية المتنوعة وجعل فيه من الفواكه أزواجًا، ومن الضأن والطير أفواجًا، فكيف نجحد مَن قال: “وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ” “وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ” ص.ع
ورغم هذا، ما زال الحل بسيطًا. فمثلما أهدانا الفرنسيون من قبل قوانينهم، استنبط لنا رئيسهم “ماكرون” من دمار مرفأ بيروت، وآلام اللبنانيين، خطةً واقعيةً قابلةً للتطبيق، فلم يذهب إلى اقتراحات خيالية كمثل إحلال ثورة 17 تشرين محل الطبقة السياسية، لأنه أيقن بستة الحواس، أن ساعتها لم تأتِ بعد، بل اكتفى بأن يطلب من تلك الطبقة فرصة راحة، فتكلّف أو تستأجر ورشة من أهل الخبرة، لم تلوِّثْها تجربة سابقة، أو استفادةٌ من مال عام، تكون مهمتها سدَّ الثقوب في الفُلْكِ المشحون، ومنعَ صعود المياه إلى ساريته. فإذا بالساسة الذين طأطأوا رؤوسهم أمامه موافقين، حين عاد مطمئنًّا إلى وعودهم أنكروه قبل صياح الديك، وهم عالمون أن من يركب صهوتين باتجاهين مختلفين فعقوبتُه الانشطار. فيما لم يَكُفَّ الراعي الصالح، عن قرع الضمائر المجرمة بناقوسه العنيد وحياده السديد.
هنا تجدر الملاحظات الآتية:
قبل سد الثغرات والفجوات فيها، من قِبل مهندسين وخبراء محترمين، ليست السفينة اللبنانية صالحة للإبحار إلى أي مرفأ، سواء كان “بندر عباس”، أو “جُدَّهَ”، أو “خليج البوسفور”، لأنها ستكون طعمًا مجانيًّا للأمواج والأهواء السياسية المستمدة من العواصف الإقليمية والزوابع الدولية، في الوقت الذي تُنْجَزُ فيه مهمة إبحار دَوْرِ مرفأ بيروت إلى ميناء أشدود الإسرائيلي، إبحارًا هادئًا وعلنيًّا.
ثانية الملاحظات أن كثيرًا من اللبنانيين، في حمأة المأزق المتمادي، راحوا يصبُّون جام غضبهم على الطائف، ويحمّلونه مسؤولية تفسّخ الدولة. والحقيقة أنَّ وثيقة الطائف استُبدلت بها وثيقة الطوائف. أُقرَّت الأولى بصورة دستورية وعُطِّلَت بصورة غير دستورية، والثانية حكمت الدولة من خلال تحالف متناسل، طغى على أدائه الازدراء بفكرة المؤسسات والقانون تحت دعاوى مختلفة منها تزوير مفهوم مقدمة الدستور، وتزوير الديموقراطية بإلحاق صفة التوافقية بها، فأفضى هذا إلى أن أصبح الحكم رهين حق النقض الذي تمارسه المؤسسات والأحزاب، بصفتها مرجعيات طائفية، لا بالصفة الوطنية المفترضة لها. وعليه، فإن تلك التقسيمات الملفقة التي أَوْلَتْ رئيس الجمهورية السيادة، ورئيس المجلس التشريع، ورئيس الحكومة الاقتصاد، هي هرطقة مقصودة، اختبأت وراء قناع التوافق، وعبّرت بشكل فاقع عن إرادة وطيدة بتعطيل عمل الدولة وعرقلة بناء مؤسساتها، ومفاقمة ديونها، وتضييع فرصها، وإهدار الوقت لكي نصل في النهاية إلى هيكل متداع، تسهل إزالته أو يسهل استعماله لمختلف الأغراض.
أما الملاحظة الأخيرة فهي أن اللامركزية بشكلها الأكثر اتساعًا، ليست سوى وسيلة ثبت نجاحها في كثير من الدول، لأنها تقلل سلبيات البيروقراطية، وتَحَكُّمِ المركز بتفاصيل حياة الناس ويومياتهم، وتولي السلطات المحلية التي هي أدرى بشعابها، الصلاحيات الكافية للتنمية من خلال منظومة تنسيق دستوري، تقرّب المواطنين، على بُعد، بدلاً من إبعادهم على قرب- كما يقول ابن الرومي- وتعصمهم من الذين يريدون أن يسخّروا موارد الدولة لطائفة أو منطقة. لكن هذا المفهوم لا يعني إطلاقًا المطالبة بالاستقلال المالي تحت دعوى أنه لا تجوز المساواة بين دافعي الضرائب والممتنعين، ذلك أن الضريبة صفة وطنية إلزامية لكل المواطنين، وليست رهن إرادة أو موافقة فئة أو طائفة أو شخص، فإذا تملّص أحد أو حاول ذلك، كان عليه أن يدفع ثمن تملّصه بموجب نظم ضريبة صارمة ودقيقة وناجعة، تتبعها الدول المتقدمة سواء كانت مركزية أو لامركزية، أو فيديرالية.
إنني لا أستهجن التذمّر العام، والذي قد يدفع ببعضنا إلى البحث عن حلول فئوية تَنَصُّلية في ظل تعسّر الحل الوطني، ولكنني أنبه إلى أن تجاور الدويلات المُخلَّقة، يعني أمرًا من اثنين، إما رضوخ الأضعف للأقوى، وإما سعي الضعيف ليستقوي، فيكون مثلنا كمثل الذي ذهب من الحل المبسط والمعقول والقابل للتطبيق، إلى وصفة مركّبة معقدة، تفاقم العلة ولا تشفي الغلة، كما جاء في أول المقال.
 يبقى أن نسأل، على أي انتخابات أخرى سيعلّق اللبنانيون صبرهم، بعد انتهاء الانتخابات الأميركية، وهل سيطول اختباء مسوخ السياسة خلف وباء “كورونا”؟