//Put this in the section

هل ظُلِمَ جبران باسيل؟

غسان الحجار – النهار

لا أدافع عن جبران باسيل، فالدفاع عنه مشبوه هذه الأيام إلا لمناصريه، كما مناصري كل الاحزاب الذين ينشدون الموت دفاعاً عن زعيمهم، وأنا لا أدخل في عِدادهم بالتأكيد، لأني، كما كثيرين غيري، نتمنى ان يموت زعماء لبنان ألف مرة، بعدما أماتوا البلد وناسه لمصالحهم وأحلامهم ونزواتهم أيضاً.
وإذ ينقسم المؤيدون والمعارضون لباسيل وفق غرائز قاتلة دفاعاً وهجوماً، بسبب الهويات القاتلة هي أيضاً، فإنهم لا يتركون مجالاً لإحكام العقل. ووسائل التواصل الاجتماعي خير دليل على التفلّت الغريزي القائم بين اللبنانيين، الذين فقد عدد كبير منهم الحد الأدنى من الأخلاق في التعبير، بعدما فقدوا المنطق منذ زمن بعيد.
لا يمكنني أن أدَّعي ان النائب، والوزير سابقاً، جبران باسيل، ليس فاسداً، فهو على الأقل فاسد سياسياً، إذ هو مستعد لتعطيل البلد من أجل حقيبة، وتأخير تأليف الحكومة من أجل وزارة لا يمكن فهم الغاية من التمسك بها إلا من باب المصلحة، وإنْ غير مثبتة في الوثائق والمستندات. التعطيل وجه للفساد ايضاً، لأنه استغلال للسلطة ولمنطق الاستقواء.
أما بالمفهوم المتعارف عليه للفساد، فإني أؤيد باسيل في سؤاله عن المعطيات التي استندت إليها العقوبات الاميركية اولاً، والكشف عن استثماراته وحساباته المشبوهة ثانياً، لأن لا شيء مخفياً في لبنان، وخصوصاً لأجهزة أمنية واستخباراتية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأجهزة خارجية. من حقه ان يعرف ومن حقنا ايضاً ان نعرف ماهية التهم الموجهة اليه. من حق اللبنانيين ان يطّلعوا على حقائق مَن سرقوا أموالهم وأفلسوا البلد بصفقاتهم. وهنا من واجب الدول الصديقة والشقيقة ان تساعد في هذا المجال، لأنها بخلاف ذلك، تكون شريكة في الفساد، ومتواطئة مع الفاسدين.
لا أدَّعي أني أعرف شيئاً عن “فساد” جبران باسيل، ولا أملك قرينة براءته، لأن العقوبات يجب ان تكون استندت الى ما تعرفه العامّة، ولا أهل الصحافة والإعلام عادة، لان المنافع الكبرى والشركات والاستثمارات الخارجية غالباً ما تكون مموَّهة ومجهولة الاسماء، بل بأسماء أصدقاء وأقارب وشركات أُنشئت في دويلات وجزر بعيدة وخارج الرقابة.
أما الظلم الحقيقي الذي حلَّ بباسيل، فيكمن في اختياره دون غيره، وإنْ أتت “إدانته” بعد الوزيرين السابقين يوسف فنيانوس وعلي حسن خليل. وهذه العقوبات لم تطل حتى الساعة إلا ثلاثة أشخاص، وهذه خطيئة في ذاتها، وإنْ كان الحبل على الجرار كما يتردد. وتذكر الاخبار المتداولة أسماء نحو عشرين، وفي هذا العدد ظُلم ايضاً لأصحابه، لأن الفساد في لبنان بات يسري في عروق مئات الآلاف. وأما الممسكون بالقرار من سياسيي الصف الاول والثاني، فأكثرهم غارق في الفساد على مستويات عدة. منهم مَن هو فاسد بالفطرة، من جراء ممارساته وارتكاباته منذ زمن الحرب قبل ان يلبس بدلة وكرافات، ويزيّن مظهره الخارجي فقط، ومنهم مَن هو فاسد بحكم حمايته الفاسدين والدفاع عنهم وتوفير الغطاء السياسي الذي يحول دون محاكمتهم.
إن اقتصار العقوبات على باسيل واثنين غيره فقط، لَهُوَ ظلم موجع، ولا يمكن معه الاطمئنان الى مسار عادل.